آخر الأخبار
تحميل آخر الأخبار...

لماذا تفشل المفاوضات بين أمريكا وإيران؟

الرأي |
تحليل لأسباب تعثر المفاوضات بين أمريكا وإيران وتحول الاتفاقات المؤقتة إلى هدنات تسبق عودة التصعيد.

كتب : وسيم فؤاد الأدهمي |

ليست كل اتفاقية توقع بين خصمين مقدمة لسلام دائم، فالتاريخ السياسي الحديث يكشف أن كثيراً من التفاهمات لم تكن سوى محطات لالتقاط الأنفاس قبل استئناف المواجهة. ففي العلاقات الدولية، يختلف الاتفاق الذي يعالج أسباب النزاع عن الاتفاق الذي يكتفي بإدارة تداعياته. الأول يسعى إلى تغيير قواعد اللعبة، بينما يهدف الثاني إلى خفض مستوى التوتر مؤقتاً من دون المساس بجوهر الخلاف. وعندما يغيب الأساس الذي يبنى عليه السلام الحقيقي، تصبح الهدنة مجرد مرحلة انتقالية في صراع لم ينتهِ بعد.

هذه القاعدة تتكرر في العديد من الأزمات الدولية، لأن الدول لا تتفاوض دائماً من موقع الرغبة في التسوية، بل كثيراً ما تتفاوض وهي تسعى إلى تحسين شروط المواجهة المقبلة. لذلك، فإن نجاح أي اتفاق لا يقاس بعدد البنود التي يتضمنها، بل بقدرته على معالجة مصادر انعدام الثقة، وخلق مصالح مشتركة تجعل العودة إلى التصعيد أكثر كلفة من الاستمرار في الحوار.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أثبتت التجارب أن الاتفاقات التي تنجح هي تلك التي تعيد صياغة البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالنزاع، لا تلك التي تؤجل القضايا الأكثر حساسية. أما عندما تُرحّل الملفات الجوهرية إلى جولات لاحقة، فإن الاتفاق يتحول إلى إطار هش، لأن الخلاف الحقيقي يبقى قائماً، بينما تتغير فقط أدوات التعبير عنه.

في حالة العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحاً من أي ساحة أخرى. فمنذ أكثر من أربعة عقود، لم يكن الخلاف بين الطرفين محصوراً بالبرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية، بل يمتد إلى تصورين متناقضين للنظام الإقليمي، ولدور كل منهما في الخليج والشرق الأوسط. ولهذا السبب، كلما اقتربت المفاوضات من الملفات المرتبطة بتوازنات القوة والنفوذ، تعثرت فرص الوصول إلى اتفاق مستدام.

المشكلة أن كل جولة تفاوض تُحمّل بتوقعات تفوق قدرتها الحقيقية. فواشنطن تنظر إلى الاتفاقات بوصفها وسيلة لتقييد السلوك الإيراني وتقليص مصادر قوته، بينما ترى طهران أن أي تفاوض يجب أن ينتهي باعتراف بمكانتها الإقليمية وحقها في امتلاك عناصر الردع التي تعتبرها جزءاً من أمنها القومي. وبين هذين المنظورين، يصبح الاتفاق مساحة لإدارة الخلاف، لا لتجاوزه.

ولا يقتصر الأمر على اختلاف الأهداف، بل يشمل أيضاً أزمة الثقة المتراكمة. فالتجارب السابقة تركت آثاراً عميقة لدى الطرفين، وجعلت كل خطوة تفاوضية محكومة بالشكوك. عندما يغيب اليقين باستمرار الالتزامات، تتحول كل وثيقة سياسية إلى التزام مؤقت، ينتظر أول اختبار حتى تبدأ الاتهامات المتبادلة بخرقها.

إلى جانب ذلك، تتجاوز الأزمة حدود العلاقات الثنائية، لأنها ترتبط بجغرافيا سياسية تمثل إحدى أكثر مناطق العالم حساسية. فالممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وانتشار القواعد العسكرية، وشبكات التحالف الإقليمية، تجعل أي احتكاك محدود قابلاً للتحول إلى أزمة دولية تتجاوز أطرافها المباشرين. لذلك، لا يكفي نجاح المفاوضات بين دولتين إذا بقيت البيئة الإقليمية تنتج أسباباً جديدة للتوتر.

كما أن التطورات العسكرية خلال السنوات الأخيرة أظهرت تحولاً مهماً في مفهوم الردع. فلم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بحجم الجيوش أو عدد الطائرات والدبابات، بل بقدرة الدولة على التأثير في الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية، والبنية الرقمية، وأسواق الطاقة. وهذا التحول جعل أدوات الضغط أكثر تنوعاً، لكنه جعل الوصول إلى تسويات أكثر تعقيداً أيضاً، لأن كل طرف يمتلك وسائل مختلفة لإلحاق الضرر بالآخر دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

ومن المفارقات أن هذا الواقع يدفع الخصوم إلى تجنب المواجهة المفتوحة، لكنه لا يدفعهم بالضرورة إلى السلام. فالحرب الشاملة أصبحت باهظة الكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، في حين تبدو سياسة الاستنزاف التدريجي أقل مخاطرة وأكثر قدرة على تحقيق مكاسب تفاوضية. وهكذا، تدخل الأزمات في دائرة مغلقة من الضغوط والعقوبات والضربات المحدودة والرسائل العسكرية، مع الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة تحسباً للحظة تفاوض جديدة.

ولا يمكن إغفال تأثير الأطراف الإقليمية والدولية في هذه المعادلة. فكل اتفاق بين خصمين رئيسيين يعيد رسم حسابات الحلفاء والخصوم على حد سواء. لذلك، تتداخل مصالح القوى الكبرى مع حسابات الدول الإقليمية، بحيث يصبح نجاح أو فشل أي تفاهم مرتبطاً أيضاً بمدى قبول البيئة المحيطة به، لا بإرادة الطرفين وحدهما. وفي كثير من الأحيان، تكون الاعتراضات غير المباشرة عاملاً لا يقل تأثيراً عن الخلافات المعلنة على طاولة المفاوضات.

إن الدرس الأهم الذي تقدمه الأزمات الدولية هو أن الدبلوماسية لا تستطيع إنتاج سلام دائم إذا بقيت رهينة ميزان القوة وحده. فالاتفاقات التي تُصاغ تحت ضغط السلاح قد توقف إطلاق النار، لكنها لا تنهي أسباب العداء. أما التسويات القادرة على الصمود، فهي التي تنجح في تحويل المصالح المشتركة إلى ضمانة للاستقرار، وتجعل الالتزام بالاتفاق أكثر فائدة من الانسحاب منه.

وفي تقديري، لا تكمن المشكلة الأساسية في غياب الاتفاقات، بل في طبيعة الوظيفة التي تؤديها. فإذا كانت المفاوضات تُستخدم لإعادة ترتيب موازين القوى استعداداً لجولة جديدة من الصراع، فإنها ستظل تنتج هدنات قصيرة العمر مهما بلغت دقتها القانونية. أما إذا تحولت إلى عملية تعيد تعريف المصالح المتبادلة وتبني قدراً من الثقة القابلة للاستمرار، عندها فقط يمكن للسياسة أن تنتصر على منطق القوة. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى الاتفاقات المؤقتة أشبه بجسور هشة تعبر فوق أزمات لم تُحل، لا بوابات تفتح الطريق إلى سلام مستدام.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

منصة تركيا الاخبارية | موقع إخباري عربي مستقل يُعنى بمتابعة الشأن التركي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويهدف إلى نقل الأخبار والتطورات من تركيا إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومهنية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.