عاد ملف مقاتلات F-35 الأمريكية إلى واجهة العلاقات التركية الأمريكية مع صدور مؤشرات جديدة من أعضاء في الكونغرس الأمريكي توحي بإمكانية إعادة فتح هذا الملف بعد سنوات من الجمود. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة، حيث يشكل التعاون الدفاعي بين أنقرة وواشنطن أحد أبرز الملفات المطروحة على هامش الاجتماعات.
ويرى مراقبون أن التصريحات الصادرة عن أعضاء في الكونغرس لا تمثل قراراً رسمياً، لكنها تحمل دلالات سياسية مهمة، إذ تعكس تغيراً نسبياً في طبيعة النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن مستقبل مشاركة تركيا في برنامج المقاتلة الشبحية، في ظل التحولات الأمنية التي يشهدها الحلف والتحديات العسكرية المتزايدة في أوروبا والشرق الأوسط.
وأعرب أعضاء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يشاركون ضمن وفد الكونغرس الأمريكي في قمة الناتو، عن تفاؤلهم بإمكانية التوصل إلى صيغة تسمح بإعادة تركيا إلى برنامج F-35، وفق ما نقلته وكالة "أسوشيتد برس".
وقالت السيناتور الديمقراطية جين شاهين، التي كانت من أبرز الداعمين للتشريع الذي أدى إلى استبعاد تركيا من البرنامج، إن عودة أنقرة ستكون خطوة إيجابية إذا أمكن التوصل إلى آلية تعالج المخاوف الأمريكية المتعلقة بالجوانب الأمنية.
ويحمل هذا التصريح أهمية خاصة، نظراً إلى أن شاهين كانت من الأصوات المؤثرة في الكونغرس خلال مرحلة الخلاف بين البلدين، ما يجعل حديثها عن إمكانية إعادة النظر في الملف مؤشراً على وجود مرونة أكبر مقارنة بالسنوات الماضية.
من جانبه، قال النائب الجمهوري مايك تورنر إن التفاصيل الأولية للمقترحات التي يجري تداولها تبدو "واعدة"، دون أن يكشف عن طبيعة هذه المقترحات أو المرحلة التي وصلت إليها المشاورات بين الجانبين.
ورغم غياب أي إعلان رسمي من الإدارة الأمريكية، فإن هذه التصريحات تأتي بعد ساعات من تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ثقته بإمكانية صدور قرار إيجابي بشأن ملف F-35، مشيراً إلى أن القضية كانت ضمن الملفات التي ناقشها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال اجتماعات قمة الناتو في أنقرة.
لماذا يكتسب هذا التطور أهمية؟
تكمن أهمية هذه التصريحات في أنها تصدر للمرة الأولى منذ سنوات عن شخصيات لعبت دوراً مباشراً في إقرار الإجراءات التي أخرجت تركيا من البرنامج.
ففي عام 2019، قررت الولايات المتحدة استبعاد أنقرة من برنامج F-35 بعد حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، معتبرة أن تشغيل المنظومة الروسية إلى جانب المقاتلة الأمريكية قد يهدد أمن التكنولوجيا المستخدمة فيها ويتيح لموسكو الحصول على معلومات حساسة.
ومنذ ذلك الحين، بقي الملف أحد أبرز نقاط الخلاف بين البلدين، رغم استمرار التعاون داخل حلف الناتو في ملفات أمنية وعسكرية أخرى.
ويرى محللون أن التطورات الأمنية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية، دفعت واشنطن إلى إعادة تقييم أولوياتها داخل الحلف، بما في ذلك أهمية الحفاظ على تعاون دفاعي وثيق مع تركيا باعتبارها تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وتشغل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود.
تركيا.. شريك سابق في البرنامج
لم تكن تركيا مجرد مشترٍ لمقاتلات F-35، بل كانت شريكاً صناعياً في البرنامج منذ مراحله الأولى.
وشاركت شركات تركية في تصنيع مئات المكونات الخاصة بالطائرة، كما كانت أنقرة تخطط للحصول على عشرات المقاتلات لتحديث أسطول قواتها الجوية.
وأدى استبعاد تركيا إلى توقف هذه المشاركة، كما اتجهت أنقرة في المقابل إلى تسريع برامجها الوطنية لتطوير الصناعات الدفاعية، وعلى رأسها مشروع المقاتلة الوطنية "قآن" (KAAN)، إلى جانب التوسع في إنتاج الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي.
ورغم هذا التوجه، لم تغلق تركيا باب الحوار مع الولايات المتحدة بشأن F-35، وظل الملف حاضراً في اللقاءات الثنائية بين مسؤولي البلدين، قبل أن يعود بقوة إلى الواجهة مع انعقاد قمة الناتو الحالية.
هل تغيرت الظروف؟
يعتقد خبراء أن البيئة السياسية والعسكرية التي أحاطت بقرار استبعاد تركيا عام 2019 تختلف إلى حد كبير عن الظروف الحالية.
فالحرب في أوكرانيا دفعت دول الحلف إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتسريع برامج التسليح، وتعزيز التعاون الصناعي والعسكري، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى توحيد مواقف الحلفاء وتعزيز قدراتهم الدفاعية.
كما أن التطور الكبير الذي حققته الصناعات الدفاعية التركية، وارتفاع صادراتها العسكرية، جعلا أنقرة لاعباً أكثر تأثيراً داخل منظومة الناتو مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.
ويرى مراقبون أن هذه المعطيات قد تسهم في تهيئة أرضية جديدة لمعالجة الخلافات القديمة، إذا توصل الطرفان إلى تفاهمات تضمن معالجة الهواجس الأمنية الأمريكية، وتحافظ في الوقت نفسه على المصالح الدفاعية التركية.
ماذا يعني ذلك لتركيا؟
إذا أُعيد فتح الباب أمام مشاركة تركيا في برنامج F-35، فإن ذلك سيحمل أبعاداً تتجاوز مجرد الحصول على مقاتلات جديدة.
فالخطوة قد تعني استئناف التعاون الصناعي بين الشركات التركية والأمريكية، وتعزيز العلاقات الدفاعية بين البلدين، إضافة إلى دعم قدرات القوات الجوية التركية في مرحلة تشهد تطوراً متسارعاً في تقنيات الطيران العسكري.
كما قد ينعكس أي تقدم في هذا الملف إيجاباً على مجالات تعاون أخرى، تشمل الصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، والمشروعات المشتركة داخل إطار حلف الناتو.
في المقابل، يؤكد خبراء أن مشروع المقاتلة الوطنية "قآن" سيظل جزءاً أساسياً من استراتيجية تركيا الدفاعية، حتى في حال عودة التعاون مع برنامج F-35، إذ تنظر أنقرة إلى تطوير صناعاتها المحلية باعتباره خياراً استراتيجياً طويل الأمد.
ماذا بعد؟
حتى الآن، لا توجد قرارات رسمية تعيد تركيا إلى البرنامج، كما لم يصدر أي إعلان من البيت الأبيض أو وزارة الدفاع الأمريكية بهذا الشأن. إلا أن التصريحات الصادرة عن أعضاء في الكونغرس، إلى جانب المباحثات التي تشهدها قمة الناتو، تشير إلى أن الملف دخل مرحلة جديدة تختلف عن حالة الجمود التي استمرت خلال السنوات الماضية.
ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة أنقرة وواشنطن على معالجة القضايا العالقة والتوصل إلى تفاهمات توازن بين الاعتبارات الأمنية والمصالح الاستراتيجية المشتركة. وإذا استمرت المؤشرات الإيجابية الحالية، فقد يشهد ملف F-35 خلال الأشهر المقبلة تطورات ستكون لها انعكاسات مباشرة على مستقبل العلاقات الدفاعية بين تركيا والولايات المتحدة، وعلى توازنات حلف شمال الأطلسي في مرحلة تشهد تغيرات أمنية متسارعة.
Image Title:
مؤشرات جديدة بشأن عودة تركيا إلى برنامج F-35
