خاص | منصة تركيا الاخبارية
لم يعد الحديث عن الصناعات الدفاعية التركية يقتصر على تلبية احتياجات الجيش أو تطوير منظومات تسليح محلية، بل أصبح يتعلق بقطاع اقتصادي وصناعي متكامل يحقق نمواً متسارعاً ويعزز حضور تركيا في الأسواق العالمية. ويؤكد تجاوز صادرات الصناعات الدفاعية والجوية التركية 11 مليار دولار لأول مرة خلال آخر اثني عشر شهراً أن هذا القطاع دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها مجرد مشروع للاكتفاء الذاتي، بل أحد أبرز أدوات القوة الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية لأنقرة.
وأعلن رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون أن صادرات القطاع بلغت 802.8 مليون دولار في يونيو/حزيران 2026، بزيادة 29.6 بالمئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، فيما ارتفعت الصادرات خلال النصف الأول من العام إلى 4 مليارات و665.7 مليون دولار، بنمو سنوي بلغ 29.5 بالمئة. أما الحصيلة الإجمالية خلال آخر اثني عشر شهراً، فقد تجاوزت 11 مليار دولار للمرة الأولى، وهو رقم يعكس استمرار النمو رغم التحديات التي يشهدها سوق الصناعات الدفاعية عالمياً.
من مستورد إلى منتج
حتى مطلع الألفية الجديدة، كانت تركيا تعتمد بصورة كبيرة على استيراد السلاح والتكنولوجيا العسكرية من الخارج، وهو ما جعلها عرضة للقيود السياسية وحظر التصدير في عدد من المحطات. وقد دفعت هذه التجارب صناع القرار إلى تبني سياسة تقوم على تطوير قاعدة صناعية وطنية تقلل الاعتماد على الخارج، مع الاستثمار في البحث العلمي ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الاستراتيجية.
وخلال العقدين الماضيين، ارتفعت نسبة المكوّن المحلي في كثير من البرامج الدفاعية بشكل ملحوظ، وتحولت الصناعات العسكرية من قطاع يعتمد على التجميع والترخيص إلى قطاع يصمم ويطور وينتج منظومات كاملة داخل تركيا، بدءاً من البرمجيات والرادارات ووصولاً إلى الطائرات والسفن الحربية والصواريخ.
استثمارات ضخمة في التكنولوجيا
لم يكن هذا التحول ممكناً لولا زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، إذ أصبحت الصناعات الدفاعية من أكثر القطاعات التركية استثماراً في الابتكار والهندسة المتقدمة والذكاء الاصطناعي والإلكترونيات الدقيقة.
وتلعب هيئة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) دوراً محورياً في إدارة هذا التحول، من خلال دعم المشاريع الوطنية، وربط الشركات الخاصة بالجامعات ومراكز الأبحاث، وتشجيع تطوير التقنيات المحلية بدلاً من الاعتماد على الاستيراد.
ويؤكد خبراء أن هذا النموذج أسهم في بناء منظومة صناعية متكاملة تضم مئات الشركات التي تتعاون فيما بينها لتطوير منتجات ذات قيمة مضافة عالية، الأمر الذي انعكس مباشرة على ارتفاع الصادرات.
شركات تقود النهضة
تقف خلف هذا النجاح مجموعة من الشركات التي أصبحت معروفة في الأسواق العالمية.
فشركة ASELSAN تُعد من أكبر الشركات الدفاعية في الشرق الأوسط، وتنتج أنظمة الاتصالات العسكرية والرادارات والحرب الإلكترونية والمستشعرات المتقدمة.
أما الصناعات الجوية والفضائية التركية (TUSAŞ) فتقود مشاريع الطيران الوطنية، من بينها المقاتلة KAAN، وطائرة التدريب النفاثة HÜRJET، والمروحية الهجومية ATAK، إضافة إلى طائرات الاستطلاع غير المأهولة.
وفي مجال الصواريخ والذخائر الذكية، برزت ROKETSAN بوصفها إحدى الشركات الأسرع نمواً في المنطقة، بينما أصبحت BAYKAR اسماً عالمياً بعد النجاح الكبير الذي حققته الطائرات المسيّرة التركية، وعلى رأسها Bayraktar TB2 وAKINCI والطائرة المسيّرة النفاثة KIZILELMA.
كما تؤدي شركات مثل HAVELSAN وSTM وFNSS وBMC أدواراً مهمة في تطوير البرمجيات العسكرية، والمحاكاة، والسفن الحربية، والمركبات المدرعة، ما يجعل الصناعة الدفاعية التركية تعتمد على شبكة واسعة من الشركات المتخصصة، وليس على مصنع أو مشروع واحد.
منتجات أثبتت حضورها
يرى مراقبون أن العامل الأبرز في زيادة الطلب على المنتجات التركية يتمثل في انتقالها من مرحلة الاختبارات إلى مرحلة الاستخدام الفعلي، وهو ما عزز ثقة المشترين الدوليين.
فالطائرات المسيّرة التركية، وأنظمة المراقبة، والرادارات، والمدرعات، والزوارق العسكرية، ومنظومات الذخائر الذكية، أصبحت تصدر إلى عشرات الدول، كما نجحت في المنافسة أمام منتجات تقدمها شركات تمتلك تاريخاً أطول في الصناعات الدفاعية.
وتتميز المنتجات التركية بجمعها بين التطور التقني والكلفة التنافسية، إلى جانب مرونة الشركات في توفير التدريب والدعم الفني وخدمات ما بعد البيع، وهو ما ساعد على توسيع قاعدة العملاء في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.
لماذا ترتفع الصادرات؟
لا يرتبط نمو الصادرات بزيادة الإنتاج فقط، بل بعدة عوامل متداخلة، أبرزها:
ارتفاع الطلب العالمي على الأنظمة غير المأهولة.
توسع الصناعات الدفاعية التركية في أسواق جديدة.
زيادة نسبة التصنيع المحلي.
تطوير منتجات تنافسية من حيث الأداء والسعر.
توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي مع عدد متزايد من الدول.
المشاركة المستمرة في المعارض العسكرية الدولية.
كما ساهمت النجاحات التي حققتها الشركات التركية في بناء سمعة دولية جعلت كثيراً من الدول تتجه إلى شراء المنظومات التركية أو الدخول في شراكات إنتاج وتطوير طويلة الأمد.
أسواق جديدة وثقة دولية متزايدة
لم يعد انتشار الصناعات الدفاعية التركية مقتصراً على الأسواق التقليدية، بل اتسعت دائرة العملاء لتشمل عشرات الدول في آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، مستفيدة من اتفاقيات التعاون الدفاعي، والمشاركة المنتظمة في المعارض الدولية، وبرامج التدريب ونقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك.
ويؤكد خبراء أن تركيا لم تعد تكتفي بتصدير منتج عسكري جاهز، بل أصبحت تقدم حزمة متكاملة تشمل التدريب والصيانة والدعم الفني وتحديث الأنظمة، وهو ما يعزز ثقة الدول المستوردة ويحول العلاقة التجارية إلى شراكة طويلة الأمد.
وأشار رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية خلوق غورغون إلى أن الأنظمة التركية التي أثبتت كفاءتها ميدانياً، إلى جانب المنظومة الصناعية المتنامية، تواصل ترسيخ شراكات دائمة على المستوى العالمي، وهو ما يفسر استمرار نمو الصادرات بوتيرة مرتفعة.
الصناعات الدفاعية محرك للاقتصاد
لا تقتصر أهمية القطاع على العائدات المالية، بل أصبح أحد أبرز محركات الاقتصاد التركي. فالصناعات الدفاعية توفر آلاف فرص العمل للمهندسين والباحثين والفنيين، كما تدفع الجامعات ومراكز الأبحاث إلى تطوير تقنيات جديدة يمكن استخدامها في القطاعات المدنية.
وتستفيد صناعات الطيران المدني، والاتصالات، والبرمجيات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات من التقنيات التي تطورها الشركات الدفاعية، ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع ينعكس على الاقتصاد بأكمله، وليس على الصناعات العسكرية فقط.
كذلك تسهم الصادرات الدفاعية في زيادة إيرادات النقد الأجنبي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز الميزان التجاري، خاصة أن المنتجات العسكرية تتميز بقيمتها المضافة المرتفعة مقارنة بكثير من القطاعات الصناعية الأخرى.
من العقوبات إلى الاكتفاء الذاتي
واجهت تركيا خلال السنوات الماضية تحديات عديدة، كان أبرزها القيود والعقوبات التي فرضتها بعض الدول على تصدير المعدات العسكرية أو مكوناتها، إضافة إلى استبعادها من بعض البرامج الدفاعية المشتركة.
لكن هذه التحديات دفعت أنقرة إلى تسريع مشاريع توطين الصناعات الدفاعية، والاستثمار في تطوير المحركات، والأنظمة الإلكترونية، والبرمجيات، والذخائر، بهدف تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين.
ويرى محللون أن هذه السياسة ساعدت الشركات التركية على اكتساب خبرات تقنية وصناعية متقدمة، وأسهمت في تعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
مشاريع سترسم مستقبل القطاع
لا تتوقف خطط تركيا عند الأرقام الحالية، بل تعمل على تنفيذ مشاريع استراتيجية يُنتظر أن تعزز مكانتها خلال السنوات المقبلة.
وتبرز في مقدمة هذه المشاريع المقاتلة الوطنية KAAN، والطائرة المسيّرة النفاثة KIZILELMA، والدبابة ALTAY، ومنظومة الدفاع الجوي بعيدة المدى SİPER، إضافة إلى تطوير السفن الحربية والغواصات المحلية، والاستثمار في الصناعات الفضائية والأقمار الصناعية العسكرية.
ويرى خبراء أن نجاح هذه المشاريع سيدفع الصادرات إلى مستويات أعلى، خصوصاً مع تزايد الطلب العالمي على التقنيات الدفاعية المتقدمة.
منافسة في سوق عالمي متغير
يشهد سوق الصناعات الدفاعية العالمي منافسة شديدة بين كبار المنتجين، إلا أن تركيا استطاعت خلال فترة قصيرة نسبياً أن تحجز لنفسها موقعاً متقدماً بفضل الجمع بين الجودة، والسعر التنافسي، وسرعة التسليم، والاستعداد لتقديم حلول تتناسب مع احتياجات كل دولة.
كما أن اعتماد الشركات التركية على الابتكار المستمر وتحديث منتجاتها يمنحها قدرة أكبر على مواكبة التطورات التقنية، في وقت تتجه فيه الأسواق العالمية نحو أنظمة الذكاء الاصطناعي والطائرات غير المأهولة والحرب الإلكترونية.
قراءة مستقبلية
تجاوز صادرات الصناعات الدفاعية التركية حاجز 11 مليار دولار ليس مجرد رقم قياسي جديد، بل مؤشر على نضج قطاع أصبح أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وأداة مهمة في السياسة الخارجية والتعاون الدولي.
وإذا استمرت معدلات النمو الحالية، مع دخول مشاريع وطنية جديدة إلى مرحلة الإنتاج التجاري، فإن القطاع يمتلك فرصاً واقعية لتسجيل أرقام أعلى خلال السنوات المقبلة، مدعوماً بتوسع الأسواق، وارتفاع الطلب العالمي، واستمرار الاستثمار في البحث والتطوير.
وفي الوقت نفسه، سيظل الحفاظ على وتيرة الابتكار، وتوسيع قاعدة التصنيع المحلي، وتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين، من أبرز العوامل التي ستحدد قدرة تركيا على ترسيخ مكانتها بين كبار مصدري الصناعات الدفاعية في العالم.
