خطت الصناعات الدفاعية التركية خطوة جديدة في طريق تعزيز حضورها داخل الأسواق الأوروبية، بعدما دخلت سفينة حربية تركية الصنع الخدمة رسمياً في البحرية الرومانية، في تطور يعكس تنامي التعاون الدفاعي بين أنقرة وبوخارست، ويؤكد في الوقت نفسه المكانة المتصاعدة لتركيا كأحد أبرز منتجي المعدات العسكرية في المنطقة.
وأقيمت في ميناء كونستانتسا الروماني مراسم انضمام السفينة إلى الأسطول البحري الروماني، بحضور مسؤولين عسكريين ومدنيين من البلدين، بعد أن جرى بناؤها في قيادة حوض إسطنبول لبناء السفن بإشراف شركة ASFAT التركية، التي تولت تنفيذ المشروع بصفتها المتعهد الرئيسي.
وكانت السفينة قد سُلّمت رسمياً في إسطنبول خلال يونيو الماضي، قبل أن تصل إلى رومانيا وتبدأ مرحلة الانضمام إلى الخدمة العملياتية، بموجب اتفاق حكومي بين البلدين وُقّع في ديسمبر/كانون الأول 2025.
تعاون يتجاوز صفقة التسليم
ورغم أن الحدث يتمثل في دخول سفينة جديدة إلى الخدمة، فإن أهميته تتجاوز مجرد تسليم قطعة بحرية، إذ يعكس تطوراً في العلاقات الدفاعية بين تركيا ورومانيا، العضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في وقت تتزايد فيه أهمية البحر الأسود باعتباره إحدى أكثر المناطق حساسية على الصعيدين الأمني والعسكري.
وأكد نائب وزير الدفاع التركي موسى هيبت، خلال مراسم التدشين، أن التعاون بين البلدين لن يقتصر على تسليم السفينة، بل سيشمل توفير خدمات الصيانة وقطع الغيار والتحديث المستقبلي، بما يضمن استمرار جاهزية السفينة طوال فترة خدمتها.
وأضاف أن السفينة تمثل رمزاً للصداقة بين البلدين، وللتعاون الرامي إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأسود.
من جانبه، وصف وزير الدفاع الروماني رادو-دينيل ميروتا انضمام السفينة إلى الأسطول البحري بأنه محطة تاريخية، مشيراً إلى أن البحرية الرومانية تتسلم أول سفينة حربية جديدة منذ نحو 35 عاماً، وهو ما يعكس أهمية المشروع ضمن خطط تحديث القوات المسلحة الرومانية.
لماذا تعزز رومانيا أسطولها البحري؟
شهدت منطقة البحر الأسود خلال السنوات الأخيرة تغيرات أمنية كبيرة، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي دفع عدداً من دول المنطقة إلى إعادة تقييم قدراتها الدفاعية، ولا سيما القوات البحرية.
وتسعى رومانيا، التي تمتلك شريطاً ساحلياً على البحر الأسود، إلى تحديث أسطولها لمواكبة المتغيرات الأمنية، وتعزيز قدرتها على حماية مياهها الإقليمية والمشاركة في مهام حلف الناتو.
ويرى محللون أن تحديث الأسطول البحري الروماني يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لتعزيز الردع والدفاع الجماعي داخل الحلف، في ظل استمرار التوترات الإقليمية.
الصناعات البحرية التركية تحقق تقدماً
يمثل بناء هذه السفينة دليلاً جديداً على التطور الذي شهدته الصناعات البحرية التركية خلال العقدين الماضيين.
فبعد أن كانت تركيا تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد السفن العسكرية، أصبحت اليوم تصمم وتبني سفناً حربية محلياً، وتصدرها إلى عدد متزايد من الدول.
وقد ساهمت الاستثمارات الحكومية، إلى جانب تطوير التكنولوجيا المحلية، في رفع قدرات أحواض بناء السفن التركية، التي باتت تنتج فرقاطات وسفن دعم وسفن إنزال وسفن دورية، إضافة إلى مشاريع بحرية أكثر تقدماً.
ويرى خبراء أن هذا التطور لم يقتصر على تلبية احتياجات القوات المسلحة التركية، بل تحول إلى قطاع تصديري يحقق حضوراً متزايداً في الأسواق الدولية.
شركة ASFAT... ذراع صناعية متنامية
أصبحت شركة ASFAT إحدى أبرز المؤسسات العاملة في الصناعات الدفاعية التركية، حيث تشرف على تنفيذ مشروعات بحرية وعسكرية داخل تركيا وخارجها.
وتشارك الشركة في بناء السفن الحربية، وتحديث المنصات العسكرية، وتقديم خدمات الصيانة والدعم الفني، كما تعمل على نقل الخبرات الصناعية إلى الدول الشريكة ضمن اتفاقيات التعاون الدفاعي.
ويرى مختصون أن نجاح الشركة في تنفيذ مشاريع خارجية يعزز الثقة الدولية بالصناعات الدفاعية التركية، ويفتح الباب أمام عقود جديدة مع دول أوروبية وآسيوية وإفريقية.
صادرات دفاعية تتوسع
يتزامن انضمام السفينة إلى البحرية الرومانية مع استمرار نمو صادرات الصناعات الدفاعية التركية، التي سجلت خلال السنوات الأخيرة مستويات قياسية، مدفوعة بارتفاع الطلب على الطائرات المسيّرة والمركبات المدرعة والسفن الحربية وأنظمة الدفاع المختلفة.
كما نجحت الشركات التركية في دخول أسواق جديدة داخل أوروبا، مستفيدة من مرونة الإنتاج، وسرعة التسليم، والتكاليف التنافسية مقارنة ببعض الموردين التقليديين.
ويرى مراقبون أن التعاون مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو يمنح الصناعات الدفاعية التركية زخماً إضافياً، ويعزز مكانتها كمورد موثوق للمعدات العسكرية.
البحر الأسود... أهمية استراتيجية متزايدة
لا يمكن فصل هذه الصفقة عن التحولات التي يشهدها البحر الأسود، الذي أصبح إحدى أهم الساحات الاستراتيجية في أوروبا.
فالمنطقة تمثل ممراً بحرياً حيوياً، كما تشكل نقطة التقاء لمصالح أمنية واقتصادية متعددة، الأمر الذي يدفع دولها إلى تعزيز التعاون الدفاعي وتطوير قدراتها البحرية.
وفي هذا السياق، تنظر تركيا إلى البحر الأسود باعتباره جزءاً أساسياً من أمنها القومي، فيما ترى رومانيا أن تحديث قواتها البحرية يشكل ضرورة لحماية مصالحها الوطنية وتعزيز مساهمتها في منظومة الدفاع الجماعي داخل الناتو.
شراكة تمتد إلى المستقبل
يرى خبراء أن المشروع قد يفتح الباب أمام تعاون أوسع بين البلدين في مجالات التصنيع العسكري ونقل التكنولوجيا والتدريب، خاصة مع استمرار اهتمام رومانيا بتحديث قدراتها الدفاعية.
كما قد يشجع نجاح المشروع دولاً أخرى على دراسة الاستفادة من الخبرات التركية في بناء السفن العسكرية، وهو ما يعزز فرص الشركات التركية في الفوز بعقود جديدة داخل الأسواق الأوروبية.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، يبدو أن التعاون الدفاعي بين أنقرة وبوخارست يتجه إلى مرحلة أكثر عمقاً، تتجاوز صفقات التسليح التقليدية نحو شراكة تشمل التصنيع، والصيانة، والتطوير، وتبادل الخبرات، بما يخدم مصالح البلدين ويعزز أمن البحر الأسود في مرحلة تتسم بتحديات متزايدة.
