آخر الأخبار
تحميل آخر الأخبار...

هل فقد البرلمان الأوروبي حياده في القضية القبرصية؟

نافذة على حدث |

علم تركيا أمام مبنى البرلمان الأوروبي في سياق الخلاف حول القضية القبرصية
 عماد ديب- منصة تركيا الاخبارية

منذ عقود، تشكل القضية القبرصية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في شرق البحر المتوسط، ليس بسبب تشابك أبعادها التاريخية والقانونية فحسب، بل أيضاً نتيجة تداخل المصالح السياسية داخل الاتحاد الأوروبي نفسه. وفي كل مرة يصدر فيها البرلمان الأوروبي قراراً يتعلق بالجزيرة، تعود إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول مدى قدرة المؤسسات الأوروبية على التعامل مع هذا الملف بوصفه نزاعاً يحتاج إلى مقاربة متوازنة، أم أنها أصبحت طرفاً سياسياً يتبنى رواية واحدة على حساب أخرى.

القرار الأخير الصادر عن البرلمان الأوروبي، والذي تضمن انتقادات للقوات المسلحة التركية، أعاد هذا الجدل بقوة. فقد سارعت وزارة الخارجية التركية إلى رفضه، واعتبرته "باطلاً وبحكم العدم"، مؤكدة أنه يستند إلى مزاعم غير دقيقة ويعكس موقفاً منحازاً لا يساعد على معالجة القضية القبرصية، بل يزيد من تعقيدها.

من وجهة النظر التركية، لا يمكن فهم الوجود العسكري في شمال قبرص بعيداً عن أحداث عام 1974، عندما تدخلت تركيا عسكرياً استناداً إلى صفتها دولة ضامنة بموجب "معاهدة الضمان لعام 1960"، وذلك عقب الانقلاب الذي استهدف ضم الجزيرة إلى اليونان. وتؤكد أنقرة أن ذلك التدخل حال دون اندلاع حرب أهلية واسعة وحمى القبارصة الأتراك من مخاطر كانت تهدد وجودهم، ولذلك تعتبر أن وجود قواتها في الجزيرة يرتبط بضمان الأمن والاستقرار، وليس بمشروع توسعي كما تصفه بعض الأطراف.

وتستند تركيا كذلك إلى أن الواقع السياسي في الجزيرة تغيّر خلال العقود الماضية، وأن استمرار تجاهل مطالب القبارصة الأتراك أو التعامل مع حكومة جنوب قبرص باعتبارها الممثل الوحيد للجزيرة لا يساعد على الوصول إلى حل دائم. فمنذ انضمام جمهورية قبرص إلى الاتحاد الأوروبي عام 2004، ترى أنقرة أن بروكسل فقدت جزءاً من قدرتها على لعب دور الوسيط المحايد، لأن أحد أطراف النزاع أصبح عضواً كاملاً في الاتحاد ويتمتع بتأثير مباشر في قراراته.

ومن هذا المنطلق، تعتبر الخارجية التركية أن بعض قرارات البرلمان الأوروبي تأتي انعكاساً لمواقف سياسية أكثر منها قراءة قانونية أو تاريخية متوازنة، وهو ما دفعها إلى وصف القرار الأخير بأنه استمرار لنهج منحاز لا يأخذ في الاعتبار تعقيدات الملف ولا الرواية التركية بشأنه.

في المقابل، يرى الاتحاد الأوروبي أن جمهورية قبرص هي الحكومة الشرعية الوحيدة المعترف بها دولياً، ويؤكد دعمه المستمر لقرارات الأمم المتحدة التي تدعو إلى إعادة توحيد الجزيرة. إلا أن أنقرة ترى أن التجارب التفاوضية الممتدة منذ عقود لم تحقق تقدماً ملموساً، وأن التمسك بالصيغة التقليدية للحل لم يعد يعكس الوقائع السياسية القائمة على الأرض، خصوصاً بعد فشل جولات تفاوضية متكررة برعاية الأمم المتحدة.

كما تشير تركيا إلى أن القبارصة الأتراك أبدوا، في مراحل مختلفة، استعداداً لدعم مبادرات التسوية، من أبرزها الاستفتاء على "خطة عنان" عام 2004، التي حظيت بتأييد غالبية القبارصة الأتراك، بينما رفضها الجانب القبرصي اليوناني. وترى أنقرة أن هذه المحطة التاريخية تطرح تساؤلات حول تحميل طرف واحد مسؤولية استمرار الانقسام.

وتنعكس هذه الخلافات أيضاً على ملفات أخرى في شرق المتوسط، حيث ترتبط القضية القبرصية بملفات ترسيم الحدود البحرية والطاقة والتعاون الأمني، ما يجعل أي تصعيد سياسي بين أنقرة وبروكسل يمتد تأثيره إلى قضايا إقليمية أوسع.

ومن هذا المنظور، تؤكد تركيا أن معالجة القضية القبرصية تحتاج إلى مقاربة أكثر توازناً، تقوم على الاعتراف بحقوق ومخاوف جميع الأطراف، بدلاً من إصدار قرارات تعتبرها أنقرة منحازة لطرف واحد. وترى أن استمرار هذا النهج لن يسهم في تقريب وجهات النظر، بل قد يزيد من تعقيد جهود التسوية.

وفي النهاية، يبقى مستقبل القضية القبرصية رهناً بقدرة الأطراف المعنية على العودة إلى طاولة الحوار برؤية جديدة تراعي المتغيرات التي شهدتها الجزيرة والمنطقة خلال العقود الماضية. أما إذا استمرت القرارات الأوروبية في نظر أنقرة بالابتعاد عن الحياد، فمن المرجح أن يبقى التباعد السياسي قائماً، وأن تظل القضية القبرصية إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية في العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

منصة تركيا الاخبارية | موقع إخباري عربي مستقل يُعنى بمتابعة الشأن التركي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويهدف إلى نقل الأخبار والتطورات من تركيا إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومهنية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.