آخر الأخبار
تحميل آخر الأخبار...

هل دخل نتنياهو مرحلة العد التنازلي؟

ابرز الاخبار |

خاص - منصة تركيا الاخبارية 

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقتصر على أحزاب المعارضة أو الحركات الاحتجاجية في الشارع، بل بدأت تصدر بصورة متزايدة عن شخصيات كانت حتى وقت قريب جزءًا من المؤسسة الأمنية والعسكرية التي شكلت لعقود العمود الفقري لصناعة القرار في إسرائيل. وفي هذا السياق، جاءت دعوة وزير الدفاع الأسبق موشيه "بوغي" يعالون إلى إسقاط حكومة نتنياهو في الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، لتضيف مؤشرًا جديدًا على اتساع الهوة داخل النخبة الإسرائيلية بشأن مستقبل البلاد وسياساتها الإقليمية.

واعتبر يعالون أن الحكومة الحالية لم تعد تدير الملفات الأمنية والاستراتيجية وفق المصالح العليا لإسرائيل، بل باتت، بحسب وصفه، تقدم بقاءها السياسي على حساب الأمن القومي والعلاقات مع الحليف الأمريكي. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة لأن يعالون ليس من الشخصيات المحسوبة على اليسار الإسرائيلي، بل يعد من أبرز القادة العسكريين السابقين، وشغل رئاسة الأركان ووزارة الدفاع، ما يمنح تصريحاته وزنًا داخل المؤسسة الأمنية والرأي العام الإسرائيلي.

ورأى يعالون أن الاتصال الهاتفي الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنتنياهو، وما تردد عن أجوائه المتوترة، يمثل تحولًا في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، معتبرًا أن الإدارة الأمريكية باتت تنظر بقلق إلى الطريقة التي أدارت بها الحكومة الإسرائيلية ملفات المنطقة، وخاصة ما يتعلق بإيران والتداعيات التي انعكست على المصالح الأمريكية.

وأشار الوزير الأسبق إلى أن الولايات المتحدة تدفع أثمانًا سياسية وعسكرية نتيجة الانخراط في أزمات الشرق الأوسط، وهو ما ينعكس على الحسابات الداخلية للإدارة الأمريكية، ولا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. ومن وجهة نظره، فإن إسرائيل بدأت تلمس نتائج هذا التوتر من خلال قرارات أمريكية اتخذت دون التشاور التقليدي مع الحكومة الإسرائيلية.

ومن بين الأمثلة التي استشهد بها يعالون توقيع واشنطن اتفاقية التعاون النووي السلمي مع السعودية، وهي خطوة اعتبرها مؤشرًا على أن الولايات المتحدة أصبحت تتعامل مع ملفات المنطقة وفق مصالحها المباشرة، وليس بالضرورة وفق الرؤية الإسرائيلية التقليدية. كما لفت إلى أن الاتفاق لم يُربط بدايةً بمسار التطبيع مع إسرائيل، قبل أن يعود الرئيس الأمريكي لاحقًا ليربط استكماله بانضمام الرياض إلى اتفاقات أبراهام.

كذلك أشار يعالون إلى الحديث الأمريكي عن إعادة النظر في بيع مقاتلات "إف-35" إلى تركيا، معتبرًا أن هذا التوجه يعكس تغيرًا في أولويات واشنطن، التي باتت تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها مع أنقرة، إحدى أهم القوى الإقليمية وعضو حلف شمال الأطلسي، في ظل المتغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.

هذه التطورات، بحسب مراقبين، تعكس تحولًا أوسع في السياسة الأمريكية، إذ لم تعد إسرائيل اللاعب الوحيد الذي يحظى بالأولوية المطلقة في حسابات واشنطن، بل أصبحت الإدارة الأمريكية تنظر إلى شبكة أوسع من الشركاء الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا والسعودية، باعتبارهم أطرافًا أساسيين في ترتيبات الأمن الإقليمي والطاقة والاستقرار.

على الصعيد الداخلي، تواجه حكومة نتنياهو ضغوطًا غير مسبوقة نتيجة استمرار الانقسامات السياسية، وتراجع الثقة الشعبية، وتزايد الانتقادات الموجهة لأدائها في إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية. فمنذ سنوات، تعيش إسرائيل حالة من الاستقطاب الحاد، تعاقبت خلالها حكومات متعددة وانتخابات متكررة، قبل أن يتمكن نتنياهو من العودة إلى السلطة عبر تحالف يميني يضم أحزابًا دينية وقومية متشددة.

إلا أن هذا التحالف نفسه تحول إلى مصدر خلاف داخلي، إذ يرى معارضون أن وجود شخصيات توصف بالتشدد داخل الحكومة ساهم في زيادة عزلة إسرائيل دوليًا، وأدى إلى توتر علاقاتها مع عدد من شركائها التقليديين، كما انعكس على المشهد الأمني في الأراضي الفلسطينية والمنطقة.

وتزداد أهمية هذه الانتقادات مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر، والتي ستكون الأولى منذ عام 1988 التي تُجرى في موعدها الدستوري بعد إكمال الكنيست ولايته الكاملة. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تقدم معسكر المعارضة على الائتلاف الحاكم، بما قد يمنحه فرصة لتشكيل حكومة جديدة إذا استمرت الاتجاهات الحالية حتى موعد الاقتراع.

وبحسب نتائج استطلاع نشرته صحيفة "معاريف"، فإن أحزاب المعارضة قد تحصد أغلبية برلمانية تسمح لها بتشكيل الحكومة، مقابل تراجع واضح في قوة الأحزاب الداعمة لنتنياهو. ورغم أن استطلاعات الرأي لا تضمن النتائج النهائية، فإنها تعكس تحولًا في المزاج السياسي الإسرائيلي، خاصة مع تصاعد الانتقادات القادمة من شخصيات عسكرية وأمنية بارزة.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن المتغيرات الإقليمية المتسارعة. فإعادة ترتيب العلاقات الأمريكية مع حلفائها في الشرق الأوسط، والانفتاح على ملفات التعاون مع السعودية، وإمكانية تطوير الشراكة الدفاعية مع تركيا، كلها عوامل تعيد رسم موازين القوى في المنطقة، وتفرض على إسرائيل تحديات جديدة لم تعتدها خلال العقود الماضية.

وفي المقابل، يدرك نتنياهو أن أي تراجع في مستوى الدعم الأمريكي أو في صورة التحالف الاستراتيجي مع واشنطن قد يتحول إلى ورقة انتخابية تستخدمها المعارضة لإثبات أن الحكومة الحالية أضعفت أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية، وهو التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة.

لكن في الوقت نفسه، لا يزال من المبكر الجزم بمصير الانتخابات المقبلة. فقد أثبتت التجارب السياسية الإسرائيلية أن التحالفات تتغير بسرعة، وأن القضايا الأمنية غالبًا ما تعيد رسم المزاج الانتخابي خلال الأسابيع الأخيرة قبل الاقتراع.

تكشف تصريحات موشيه يعالون أن الأزمة الإسرائيلية لم تعد مجرد خلاف بين حكومة ومعارضة، بل أصبحت نقاشًا داخل المؤسسة التي أدارت الأمن والسياسة لعقود. وعندما تبدأ شخصيات من وزن وزير دفاع ورئيس أركان سابق بالحديث عن ضرورة "إنقاذ إسرائيل من الخراب"، فإن الرسالة تتجاوز المنافسة الانتخابية إلى التشكيك في قدرة الحكومة الحالية على إدارة التحولات الإقليمية.

وفي المقابل، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة تعيد فيها الولايات المتحدة توزيع أولوياتها الاستراتيجية، مع منح مساحة أكبر للتعاون مع قوى إقليمية مؤثرة مثل تركيا والسعودية. وإذا استمرت هذه المقاربة، فقد تجد أي حكومة إسرائيلية مقبلة نفسها مضطرة للتكيف مع واقع جديد، تكون فيه الشراكة مع واشنطن قائمة على المصالح الأمريكية أولًا، لا على المسلمات السياسية التي حكمت العلاقة بين الجانبين لعقود.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

منصة تركيا الاخبارية | موقع إخباري عربي مستقل يُعنى بمتابعة الشأن التركي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويهدف إلى نقل الأخبار والتطورات من تركيا إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومهنية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.