آخر الأخبار
تحميل آخر الأخبار...

التسويات الإقليمية... لماذا تتجاوز فلسطين؟

الرأي |


صورة رمزية تعبر عن تأثير الاتفاق الأمريكي الإيراني على توازنات الشرق الأوسط واستمرار القضية الفلسطينية خارج مسار التسويات السياسية.

كتب: وسيم فؤاد الأدهمي |

ليست كل اتفاقيات وقف إطلاق النار متشابهة. فبعضها ينجح في إسكات المدافع، لكنه يعجز عن معالجة أسباب الصراع، وبعضها يعيد رسم موازين القوى من دون أن يقترب من جذور الأزمة. وهذا ما يبدو جلياً في التفاهم الأمريكي ـ الإيراني الأخير، الذي خفف من احتمالات اتساع الحرب الإقليمية، لكنه ترك القضية الفلسطينية خارج دائرة الأولويات السياسية.

منذ سنوات، كانت المنطقة تتحرك وفق قاعدة واحدة: أي تصعيد في جبهة ينعكس سريعاً على بقية الجبهات. لبنان، سوريا، العراق، البحر الأحمر، وحتى الخليج، جميعها كانت تتأثر بإيقاع المواجهة بين واشنطن وطهران. أما اليوم، فيبدو أن هناك محاولة لإعادة فصل الملفات، بحيث تُدار كل أزمة بمعزل عن الأخرى، وهو تحول قد يحد من مخاطر الانفجار الإقليمي، لكنه لا يعني بالضرورة اقتراب السلام.

هذا التحول يفسر جزئياً الهدوء النسبي الذي بدأ ينعكس على الجبهة اللبنانية، حيث عادت الدبلوماسية لتنافس العمل العسكري، وأصبح الحديث يدور عن ترتيبات أمنية وآليات انتشار وقوات مراقبة، بدلاً من تبادل التهديدات اليومية. لكن اللافت أن هذا الحراك لم يمتد بالزخم نفسه إلى قطاع غزة، الذي ما يزال يعيش تحت وطأة حرب مفتوحة وأزمة إنسانية غير مسبوقة.

تكشف هذه المفارقة حقيقة سياسية مهمة، وهي أن المجتمع الدولي يتعامل مع أزمات الشرق الأوسط بدرجات متفاوتة من الاهتمام. فحين تتقاطع المصالح الدولية مع خطر توسع الحرب، تتحرك الوساطات بسرعة، أما عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، فإن وتيرة التحرك تصبح أبطأ، وتزداد الحسابات السياسية تعقيداً.

ولا يمكن تجاهل أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الاستقرار الإقليمي بوصفه أولوية استراتيجية، خصوصاً في ظل التنافس مع قوى دولية أخرى، ورغبتها في تقليل الانخراط العسكري المباشر. غير أن هذا الهدف يبقى ناقصاً إذا استمرت بؤرة الصراع الأساسية من دون معالجة حقيقية، لأن أي ترتيبات أمنية لن تصمد طويلاً ما دامت القضية الفلسطينية معلقة.

التجارب السابقة تؤكد أن الاتفاقات التي تركز على احتواء الأزمات من دون حلها تؤجل الانفجار ولا تمنعه. فقد شهدت المنطقة أكثر من هدنة واتفاق، لكنها سرعان ما انهارت عندما عادت الملفات الجوهرية إلى الواجهة. لذلك، فإن بناء استقرار دائم لا يتحقق عبر إعادة توزيع مناطق النفوذ أو تثبيت خطوط التماس، بل من خلال معالجة الأسباب التي تُنتج الصراع باستمرار.

قد ينجح الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني في تخفيف التوتر بين عدد من الأطراف، وقد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة في لبنان ومناطق أخرى، لكنه سيظل اتفاقاً ناقصاً إذا بقيت فلسطين خارج معادلة الحل. فالسلام الحقيقي لا يقاس بعدد الجبهات التي صمتت فيها الأسلحة، بل بمدى قدرة المنطقة على إنهاء القضية التي كانت، وما تزال، محور معظم أزماتها.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار ليس: كيف نمنع الحرب المقبلة؟ بل: كيف نعالج أصل الصراع حتى لا تصبح كل هدنة مجرد استراحة قصيرة تسبق جولة جديدة من المواجهة؟

العودة إلى الصفحة الرئيسية

منصة تركيا الاخبارية | موقع إخباري عربي مستقل يُعنى بمتابعة الشأن التركي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويهدف إلى نقل الأخبار والتطورات من تركيا إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومهنية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.