آخر الأخبار
تحميل آخر الأخبار...

اتفاق واشنطن وطهران.... من ربح ومن خسر؟

الرأي |
انعكاسات الاتفاق الأمريكي الإيراني على العلاقة بين ترامب ونتنياهو ومستقبل الشرق الأوسط

كتب : وسيم فؤاد الأدهمي

منذ سنوات طويلة، بنى بنيامين نتنياهو مشروعه السياسي على فكرة واحدة: إيران هي الخطر الأكبر، وأي تسوية معها ستكون خطأً استراتيجياً يهدد إسرائيل والمنطقة. ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدا أن الرجلين يقتربان من تحقيق رؤية مشتركة تقوم على ممارسة أقصى درجات الضغط على طهران، وربما دفع الأمور نحو مواجهة تعيد تشكيل الشرق الأوسط.

لكن ما حدث في الأيام الأخيرة سار في الاتجاه المعاكس تماماً.

فبدلاً من إسقاط النظام الإيراني أو عزله بصورة أكبر، تتجه واشنطن نحو تفاهم يمنح طهران فرصة للخروج من واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية، ويعيد فتح أبواب التفاوض حول ملفات كانت تبدو مغلقة قبل أشهر قليلة.

المفارقة أن هذا التحول لم يأت نتيجة انتصار عسكري حاسم أو تغير جذري في موازين القوى، بل نتيجة إدراك أمريكي متزايد بأن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة أعلى من التفاهم. فالحروب الطويلة لم تعد خياراً جذاباً لواشنطن، والأسواق العالمية لم تعد تحتمل المزيد من الصدمات، كما أن الناخب الأمريكي يهتم بأسعار الوقود والاقتصاد أكثر من اهتمامه بالشعارات الجيوسياسية.

في هذا السياق، رأت تحليلات لعدد من كبار المعلقين في الصحافة الأمريكية والأوروبية أن إدارة ترامب وجدت نفسها أمام خيارين: إما الانخراط في مواجهة قد تستمر سنوات وتؤثر في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، أو الذهاب إلى تسوية تضمن الحد الأدنى من المصالح الأمريكية وتمنع انفجار المنطقة بالكامل. ويبدو أن الخيار الثاني هو الذي انتصر في نهاية المطاف.

من هذه الزاوية، يمكن فهم الاتفاق باعتباره انتصاراً للبراغماتية السياسية على حساب المشاريع الأيديولوجية الكبرى.

أما الخاسر الأكبر، فهو نتنياهو. ليس لأن إيران خرجت منتصرة بالكامل، بل لأن الرؤية التي دافع عنها لعقود اصطدمت بحدود المصالح الأمريكية نفسها. فحين تعارضت حسابات إسرائيل مع أولويات واشنطن الاقتصادية والأمنية، اختارت الولايات المتحدة ما يخدم مصالحها أولاً.

التسريبات المتداولة حول المذكرة تشير إلى رفع واسع للعقوبات، وإعادة أصول مالية مجمدة، وفتح الطريق أمام مشاريع تنموية واستثمارات ضخمة، مقابل ترتيبات تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز واستكمال التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني. وإذا صحت هذه البنود، فإنها تمثل تحولاً كبيراً مقارنة بخطاب "الضغط الأقصى" الذي ساد خلال السنوات الماضية.

الأكثر دلالة أن ملف لبنان لم يعد قضية منفصلة عن المفاوضات الكبرى. فإصرار إيران على شمول وقف إطلاق النار جميع الجبهات يعكس اقتناعاً متزايداً بأن الاستقرار الإقليمي أصبح جزءاً من أي تسوية شاملة، وأن معالجة الملفات بشكل منفصل لم تعد ممكنة في منطقة مترابطة أمنياً وسياسياً.

هذا لا يعني نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي، كما يذهب بعض المعلقين الغربيين، لكنه يعني بلا شك نهاية مرحلة كانت فيها الحكومات الإسرائيلية قادرة على افتراض أن واشنطن ستتبنى تلقائياً كل خياراتها الإقليمية.

وفي المقابل، لا ينبغي المبالغة في تصوير الاتفاق باعتباره انتصاراً إيرانياً مطلقاً. فالمفاوضات لم تنته بعد، والملفات الأكثر تعقيداً ما زالت مطروحة على الطاولة، من البرنامج النووي إلى النفوذ الإقليمي والعقوبات وآليات الرقابة.

لكن الحقيقة الأبرز هي أن الشرق الأوسط يشهد تحولاً في الأولويات. فبعد سنوات من منطق الحروب المفتوحة، يبدو أن الاقتصاد والطاقة والاستقرار النسبي عادت لتفرض نفسها على أجندة القوى الكبرى.

ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت إيران أو إسرائيل قد ربحت هذه الجولة، بل ما إذا كانت المنطقة كلها دخلت مرحلة جديدة يصبح فيها التفاوض أكثر تأثيراً من الصواريخ، والمصالح الاقتصادية أكثر حضوراً من الشعارات السياسية.

إذا صح ذلك، فإن الاتفاق المرتقب لن يكون مجرد وثيقة بين واشنطن وطهران، بل علامة فارقة على بداية مرحلة مختلفة في الشرق الأوسط، مرحلة قد تعيد تعريف التحالفات التقليدية وتفرض على جميع الأطراف إعادة حساباتها السياسية والاستراتيجية.


العودة إلى الصفحة الرئيسية

منصة تركيا الاخبارية | موقع إخباري عربي مستقل يُعنى بمتابعة الشأن التركي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويهدف إلى نقل الأخبار والتطورات من تركيا إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومهنية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.