اعلان

مساحة إعلانية
أخبار الإنترنت
recent

جمالية الوقاحة في خطاب ترامب

في عالم السياسة، يتقن معظم القادة فنّ إخفاء ما يريدون قوله. يغلّفون الرسائل القاسية بعبارات دبلوماسية، ويضعون السمّ في العسل، ثم يطلبون من الصحفيين التصفيق لبلاغتهم. أما دونالد ترامب، فقد قرر منذ ظهوره السياسي أن يقلب المعادلة: لماذا نحتاج إلى العسل أصلاً؟

ترامب لا يتحدث كسياسي تقليدي، بل كرجل يبدو وكأنه دخل إلى قاعة الاجتماعات متأخراً، ورمى ملف البروتوكول في سلة المهملات، ثم بدأ الكلام. لهذا السبب يكرهه كثيرون ويعشقه كثيرون أيضاً. فهو لا يخفي الوقاحة، بل يحولها إلى أسلوب تواصل، بل إلى علامة تجارية مسجلة.

عندما كان يهاجم خصومه في الانتخابات، لم يكن يبحث عن العبارات المنمقة. أطلق ألقاباً ساخرة على منافسيه، وحوّل المناظرات السياسية إلى ما يشبه مباريات المصارعة الحرة. كان المشاهد أحياناً ينسى البرنامج الانتخابي بالكامل، لكنه يتذكر جيداً اللقب الذي أطلقه ترامب على هذا المرشح أو ذاك.

وفي علاقاته الدولية، لم يكن الرجل أقل صراحة. فقد انتقد حلفاء الولايات المتحدة علناً، ووبّخ دولاً صديقة أمام الكاميرات، وطالب أعضاء حلف شمال الأطلسي بدفع المزيد من الأموال كما لو كان مدير شركة يطالب شركاءه بتسديد الفواتير المتأخرة. ما يقوله بعض الرؤساء في اجتماعات مغلقة، كان ترامب يقوله أمام الصحفيين وبابتسامة عريضة.

المفارقة أن كثيرين رأوا في هذه الوقاحة نوعاً من الصدق. فالسياسي التقليدي قد يقول لك: "نحن نقدر الشراكة الاستراتيجية"، ثم يفرض عليك العقوبات في اليوم التالي. أما ترامب فيقول لك تقريباً: "أريد مصلحتي أولاً"، ثم يفرض العقوبات. النتيجة واحدة، لكن الطريق إليها أكثر اختصاراً.

حتى في تعامله مع وسائل الإعلام، لم يحاول بناء قصة حب. دخل في معارك مفتوحة مع الصحفيين، واتهم مؤسسات إعلامية كبرى بالتحيز، وهاجمها مراراً أمام أنصاره. كان يبدو أحياناً كأنه مرشح ضد الإعلام أكثر مما هو مرشح ضد خصومه السياسيين.

لقد نجح ترامب في تحويل ما يعتبره السياسيون عيباً إلى مصدر قوة. ففي زمن امتلأ بالخطابات المصقولة والعبارات الجاهزة، ظهر رجل يقول ما يفكر فيه قبل أن يراجع قسم العلاقات العامة النص. وربما لهذا السبب بدا للكثيرين أكثر "حقيقية" من السياسيين الذين يتحدثون نصف ساعة من دون أن يقولوا شيئاً.

لكن المشكلة في جمالية الوقاحة أنها تشبه التوابل الحارة: القليل منها يمنح الطعام نكهة مميزة، أما الإفراط فيها فقد يحرق الطبخة كلها. وهنا يكمن سر ترامب؛ فهو لم يحاول يوماً أن يكون سياسياً مثالياً، بل نجح في أن يكون ترامب فقط، وهي وظيفة لا يبدو أن أحداً غيره يستطيع أداءها بالدرجة نفسها من الجرأة والإثارة والجدل.

وهكذا سيبقى الرجل ظاهرة سياسية نادرة: رئيساً جعل الوقاحة أسلوباً خطابياً، والصراحة المفرطة استراتيجية انتخابية، والجدل وقوداً دائماً لحضوره الإعلامي. فسواء اتفقت معه أو اختلفت، يبقى من الصعب أن تسمعه ثم تنساه.

المحرر

المحرر

يتم التشغيل بواسطة Blogger.