كتب: وسيم فؤاد الأدهمي |
عندما اندلعت شرارة الربيع العربي أواخر عام 2010، بدا المشهد وكأنه لحظة تاريخية نادرة قررت فيها الشعوب العربية كسر جدار الخوف الذي رافقها لعقود طويلة. لم يخرج الملايين إلى الشوارع بحثاً عن المغامرة أو الفوضى، بل سعياً إلى حياة أكثر كرامة وعدالة، وإلى حق طبيعي يتمتع به معظم شعوب العالم، وهو المشاركة في تقرير المصير واختيار الحكام ومحاسبتهم.
كان المشهد مفاجئاً لكثيرين، لكنه لم يكن مفاجئاً لمن قرأ تراكمات العقود السابقة. فالاستقرار الذي تفاخر به عدد من الأنظمة العربية لم يكن في حقيقته سوى هدوء ظاهري فرضته القبضة الأمنية. أما في العمق، فقد كانت تتراكم أزمات البطالة والفساد وانسداد الأفق السياسي وتراجع الثقة بين الدولة والمجتمع.
سقوط وهم الاستقرار
اعتقدت الأنظمة أن إحكام السيطرة على الفضاء العام كفيل بضمان بقائها إلى الأبد. لكن التجارب السياسية عبر التاريخ تثبت أن الاستقرار القائم على الخوف هش بطبيعته، لأنه لا يعالج أسباب الاحتقان بل يؤجل انفجارها.
ولهذا جاءت الثورات العربية بمثابة كشف لحقيقة كانت مخفية خلف مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية. فقد أظهرت أن المجتمعات لم تكن راضية كما كان يُروّج، وأن المطالبة بالحرية لم تكن ترفاً سياسياً، بل حاجة ملحة فرضتها أوضاع اقتصادية واجتماعية متردية.
لماذا تعثرت التجربة؟
غير أن الطريق نحو التغيير لم يكن سهلاً. فالثورات لم تواجه فقط بقايا الأنظمة القديمة، بل اصطدمت أيضاً بتحديات داخلية وإقليمية ودولية معقدة. بعض الدول دخل في حروب أهلية مدمرة، وأخرى شهدت عودة أنماط الحكم السلطوي بأشكال مختلفة، فيما غرقت مجتمعات كاملة في صراعات استنزفت طاقاتها.
هذه النتائج دفعت كثيرين إلى اعتبار الربيع العربي تجربة فاشلة. لكن الحكم على الثورات من خلال سنواتها الأولى فقط قد يكون تبسيطاً مفرطاً لمسار تاريخي بالغ التعقيد. فالثورات الكبرى في التاريخ لم تحقق أهدافها فوراً، بل مرت بمراحل من التراجع والانتكاس قبل أن تترك أثرها العميق في المجتمعات.
الأفكار التي لا تموت
ربما خسرت الثورات العربية معارك كثيرة، وربما تبدو بعض البلدان اليوم أبعد عن أحلام عام 2011 مما كانت عليه آنذاك، لكن ذلك لا يعني أن الأفكار التي دفعت الملايين إلى الشوارع قد اختفت.
فالحرية والعدالة والمواطنة ليست شعارات عابرة مرتبطة بمرحلة زمنية محددة، بل مطالب إنسانية تتجدد كلما شعر الناس بأن حقوقهم تُنتزع أو تُصادر. ولهذا يصعب اعتبار أن الربيع العربي انتهى بالكامل، لأن الأسباب التي أدت إلى اندلاعه ما زال جزء كبير منها قائماً بأشكال مختلفة.
ما بعد الهزيمة
قد يكون الوصف الأدق لما جرى أن الثورات العربية تعرضت لهزيمة سياسية في عدد من ساحاتها، لكنها لم تُهزم فكرياً وأخلاقياً. فالتاريخ لا يتحرك في خط مستقيم، وما يبدو اليوم نهاية قد يتحول لاحقاً إلى محطة ضمن مسار أطول.
بعد أكثر من عقد على اندلاع تلك الأحداث، لا يزال السؤال نفسه مطروحاً: هل كان الربيع العربي خطأ أم ضرورة تاريخية؟ بالنسبة لكثيرين ممن عايشوا تلك اللحظة، يبقى الجواب واضحاً؛ فالمطالبة بالحرية لم تكن خطأ يوماً، حتى وإن كانت الطريق إليها أكثر صعوبة مما تخيل الجميع.
