تقرير – منصة تركيا الإخبارية
تعرض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال مسيرته السياسية لعدد من التهديدات والحوادث التي وُصفت بأنها محاولات لاستهدافه، لكن حالتين تبرزان بوضوح في السجلات القضائية والإعلامية التركية: الأولى عندما كان رئيساً للوزراء عام 2014، والثانية والأخطر خلال محاولة الانقلاب في 15 تموز/يوليو 2016.
وبين محاولة فردية بسلاح لم ينطلق، وعملية عسكرية شاركت فيها مجموعة من الجنود والضباط ووصلت إلى الفندق الذي كان يقيم فيه أردوغان في مرمريس، تكشف الملفات القضائية التركية تفاصيل مثيرة عن محاولات استهداف الرجل الذي يحكم تركيا منذ أكثر من عقدين.
فمن حاول اغتيال أردوغان؟ ومن خطط لعملية مرمريس؟ وماذا تقول الأحكام القضائية والمصادر المنشورة عن تلك الأحداث؟
مسدس لم يطلق النار
في عام 2014، عندما كان أردوغان لا يزال رئيساً للوزراء، وقعت واحدة من الحوادث التي صنفها القضاء التركي لاحقاً باعتبارها محاولة لاغتياله.
وبحسب وكالة الأناضول، اقترب رجل يدعى فرحات يلدز من أردوغان خلال مشاركته في فعالية عامة، وكان يحمل مسدساً حاول استخدامه، إلا أن السلاح لم يطلق النار، قبل أن يتدخل عناصر الحماية.
وخلال المحاكمة، نفى يلدز أن يكون هدفه قتل أردوغان، وقال إنه توجه إلى المكان للاحتجاج عليه.
لكن المحكمة لم تأخذ بهذا الدفاع، وأصدرت محكمة الجنايات الثقيلة الـ17 في إسطنبول في أبريل/نيسان 2015 حكماً بسجنه لمدة 11 عاماً و8 أشهر، بعد إدانته بمحاولة قتل شخص بسبب وظيفته العامة، وفق ما أوردته وكالة الأناضول.
وبذلك أصبحت القضية واحدة من محاولات استهداف أردوغان التي انتهت بحكم قضائي مباشر ضد منفذها.
مرمريس.. القصة كانت مختلفة
ما حدث ليلة 15 يوليو/تموز 2016 كان أكثر خطورة وتعقيداً.
كان أردوغان يقضي بعض الوقت في منطقة مرمريس التابعة لولاية موغلا عندما بدأت التحركات العسكرية في إسطنبول وأنقرة ومدن تركية أخرى.
وفي الوقت الذي كانت فيه وحدات عسكرية تتحرك للسيطرة على مواقع ومؤسسات استراتيجية، بدأت مجموعة أخرى التحضير للوصول إلى المكان الذي يوجد فيه الرئيس.
التفاصيل التي ظهرت لاحقاً في المحاكمات تشير إلى أن العملية لم تكن تحركاً فردياً، وإنما مهمة عسكرية شارك فيها أفراد من وحدات مختلفة.
وبحسب القرار القضائي المسبب في قضية محاولة اغتيال أردوغان، والذي نشرت وكالة الأناضول تفاصيله، برز اسم العميد السابق غوكهان شاهين سونمزاتش باعتباره أحد أبرز المسؤولين عن القوة التي تحركت باتجاه مرمريس.
البحث عن مكان الرئيس
كان تحديد موقع أردوغان الخطوة الأساسية لتنفيذ العملية.
ووفقاً لما نقلته وكالة الأناضول عن حيثيات الحكم القضائي، جرى تحديد وجود الرئيس في مرمريس، بينما بدأت الاستعدادات لتشكيل القوة التي ستتوجه إلى المنطقة.
وتجمع عسكريون في قاعدة تشيغلي الجوية الثانية قرب إزمير، وشارك في العملية عناصر ينتمون إلى وحدات عسكرية مختلفة.
وتشير حيثيات الحكم، بحسب الأناضول، إلى أن المشاركين أُبلغوا بطبيعة المهمة المتعلقة بالرئيس، وأن العملية كانت تستهدف السيطرة عليه.
ومن هنا بدأت أخطر مرحلة.
المروحيات تنطلق إلى مرمريس
تحركت القوة العسكرية بواسطة مروحيات باتجاه الفندق الذي كان أردوغان يقيم فيه.
لكن حدثاً حاسماً قلب مسار العملية: أردوغان غادر الفندق قبل وصول القوة المهاجمة.
وعندما وصل العسكريون إلى المنطقة، لم يجدوا الرئيس في المكان.
ووقعت اشتباكات مع عناصر الأمن والحماية، أسفرت، بحسب حيثيات القضية التي أوردتها وكالة الأناضول، عن مقتل شرطيين هما محمد تشيتين ونجيب جنكيز إيكر.
كما تناولت وسائل إعلام دولية عملية مرمريس، وأشارت إلى تحرك قوة عسكرية باتجاه المكان الذي كان يقيم فيه الرئيس التركي خلال محاولة الانقلاب.
من قاد فريق مرمريس؟
تظهر الأحكام القضائية التركية اسم غوكهان شاهين سونمزاتش في موقع بارز ضمن القضية.
وبحسب وكالة الأناضول نقلاً عن الحكم القضائي، تولى سونمزاتش دوراً قيادياً في القوة التي توجهت إلى موقع أردوغان.
لكن القضية كانت أكبر من شخص واحد.
فقد مثل عشرات المتهمين أمام القضاء في ملف محاولة اغتيال الرئيس، وشملت القضية عسكريين من رتب ووحدات مختلفة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017، أصدرت محكمة تركية أحكاماً بالسجن المؤبد المشدد بحق عدد من المتهمين في القضية، ومن بينهم سونمزاتش، وفق ما أوردته وكالة الأناضول.
وفي مرحلة لاحقة، نظرت محكمة الاستئناف الإقليمية في إزمير في الأحكام الصادرة، وأيدت أحكاماً بحق عشرات المتهمين، مع نقض أحكام مرتبطة بعدد آخر وإعادة النظر فيها.
من أعطى الأمر؟
هذا السؤال هو الأكثر حساسية في القضية.
فالأحكام والتحقيقات التركية لم تتعامل مع عملية مرمريس باعتبارها حادثة منفصلة، وإنما باعتبارها جزءاً من محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد في 15 يوليو/تموز 2016.
وتتهم السلطات التركية شبكة الداعية فتح الله غولن بالوقوف خلف محاولة الانقلاب، وتطلق عليها تسمية "منظمة فتح الله الإرهابية – FETÖ".
كما ورد اسم عادل أوكسوز في التحقيقات التركية باعتباره من أبرز الأشخاص الذين تتهمهم أنقرة بالمشاركة في التحضير للانقلاب والتنسيق مع عسكريين.
وبحسب حيثيات الحكم في قضية مرمريس، التي نقلتها وكالة الأناضول، ربط القضاء التركي بين عملية استهداف أردوغان وبين التخطيط الأوسع لمحاولة الانقلاب.
لكن الدقة الصحافية تقتضي هنا التمييز بين الأحكام المتعلقة بمنفذي عملية مرمريس وبين تحديد المسؤولية السياسية والتنظيمية الكاملة عن انقلاب 15 يوليو.
فالرواية الرسمية والقضائية التركية تنسب محاولة الانقلاب إلى شبكة غولن، بينما ظلت بعض جوانب المسؤولية وتركيبة المشاركين في الانقلاب محل نقاش في تقارير ومصادر دولية. كما نفى فتح الله غولن، الذي كان يقيم في الولايات المتحدة آنذاك، الاتهامات التركية الموجهة إليه.
دقائق فاصلة
أكثر ما جعل عملية مرمريس مثيرة للجدل هو عامل الوقت.
فالقوة العسكرية وصلت إلى الفندق بعد مغادرة أردوغان، ما يعني أن فارقاً زمنياً محدوداً كان يفصل بين الرئيس وبين المجموعة التي أُرسلت إلى المكان.
هذه الدقائق تحولت لاحقاً إلى واحدة من أكثر تفاصيل ليلة الانقلاب تداولاً في تركيا، لأن نجاح المجموعة في الوصول إلى أردوغان كان يمكن أن يغير مسار الأحداث بالكامل.
وبعد مغادرته مرمريس، ظهر أردوغان عبر وسائل الإعلام ودعا المواطنين إلى النزول إلى الشوارع لمواجهة محاولة الانقلاب، قبل أن يصل إلى إسطنبول في الساعات التالية.
إذن.. من حاول اغتيال أردوغان؟
لا يمكن اختصار الإجابة باسم واحد، لأن الأمر يتعلق بحوادث مختلفة.
في محاولة عام 2014، أدان القضاء التركي فرحات يلدز بمحاولة قتل أردوغان، وحُكم عليه بالسجن 11 عاماً و8 أشهر.
أما ليلة 15 يوليو/تموز 2016، فكانت القضية مختلفة تماماً؛ إذ تحرك فريق عسكري مسلح باتجاه الفندق الذي كان يقيم فيه الرئيس في مرمريس، وبرز اسم العميد السابق غوكهان شاهين سونمزاتش في الأحكام القضائية باعتباره من أبرز قادة العملية.
أما المسؤولية عن المخطط الأوسع، فتقول السلطات والمحاكم التركية إن محاولة استهداف أردوغان كانت جزءاً من محاولة الانقلاب التي تنسبها أنقرة إلى شبكة فتح الله غولن.
وهكذا، تكشف الملفات القضائية أن أخطر محاولة لاستهداف أردوغان لم تكن رصاصة أطلقها شخص منفرد، وإنما عملية عسكرية جرى التحضير لها وتحركت لتنفيذها قوة مسلحة، قبل أن يفشل المخطط بعدما غادر الرئيس الفندق قبل وصولها.
المصادر
1- وكالة الأناضول: تقرير حول الحكم الصادر بحق فرحات يلدز بعد إدانته بمحاولة قتل أردوغان عام 2014، والحكم عليه بالسجن 11 عاماً و8 أشهر.
2- وكالة الأناضول: القرار القضائي المسبب في قضية فريق محاولة اغتيال أردوغان في مرمريس، ويتضمن تفاصيل تشكيل الفريق والتحركات العسكرية والأحداث التي وقعت في الفندق.
3- وكالة الأناضول: تقرير الأحكام الصادرة في قضية محاولة اغتيال أردوغان، بما فيها الأحكام بحق غوكهان شاهين سونمزاتش وعدد من أعضاء الفريق.
4- محكمة الاستئناف الإقليمية في إزمير – كما نقلت وكالة الأناضول: قرارات الاستئناف المتعلقة بالأحكام الصادرة بحق المتهمين في قضية مرمريس.
5- The New Yorker: تقرير موسع عن محاولة الانقلاب في تركيا في 15 يوليو/تموز 2016، تضمن خلفيات عن عملية استهداف أردوغان في مرمريس والنقاش بشأن المسؤولين عن محاولة الانقلاب.
ملاحظة تحريرية: المعلومات المتعلقة بالقضية وأسماء المتهمين والأدوار المنسوبة إليهم واردة وفق الأحكام القضائية التركية والمصادر المذكورة، ولا سيما وكالة الأناضول التي نقلت تفاصيل حيثيات الأحكام.
