تستعد تركيا لمرحلة جديدة من الإجراءات القانونية المرتبطة بمسار «تركيا بلا إرهاب»، في إطار الخطوات الهادفة إلى تثبيت عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وإنهاء نشاطه التنظيمي، وسط تقارير إعلامية تتحدث عن احتمال استفادة نحو 4 آلاف سجين في المرحلة الأولى، إلى جانب إعادة تقييم الأوضاع القانونية لنحو 2800 مطلوب.
وبحسب معلومات أوردتها «العربية.نت» نقلاً عن مصادر تركية مقرّبة من حزب المساواة وديمقراطية الشعوب، قد تشمل المرحلة الأولى ما بين 3800 و4000 معتقل وسجين مرتبطين بحزب العمال الكردستاني، من خلال إجراءات قانونية تتعلق بتأجيل تنفيذ بعض الأحكام، بما قد يمهد للإفراج عن المشمولين وفق الشروط والضوابط المحددة.
وتأتي هذه التطورات في سياق مسار «تركيا بلا إرهاب»، الذي يشكل أحد الملفات المهمة على الساحة الداخلية التركية، ويستهدف إنهاء النشاط المسلح وتعزيز الأمن والاستقرار وترسيخ مرحلة جديدة بعد عقود من المواجهات.
إعادة تقييم أوضاع نحو 2800 مطلوب
وبحسب المصادر الإعلامية ذاتها، من المتوقع أيضاً إعادة النظر في الوضع القانوني لنحو 2800 شخص صدرت بحقهم أوامر اعتقال ولا يوجدون حالياً في السجون.
وقد تسمح الآليات الجديدة بمعالجة أوضاع بعض هؤلاء وفق شروط قانونية محددة، بما في ذلك تسليم أنفسهم إلى السلطات المختصة أو اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة من خلال محاميهم.
وتبقى الأرقام المتعلقة بنحو 4000 سجين و2800 مطلوب مستندة إلى المصادر الإعلامية التي أوردتها، في حين يحدد التشريع التركي بصورة رسمية الفئات والشروط والإجراءات القانونية المتعلقة بالاستفادة من التدابير الجديدة.
قانون جديد ينظم المرحلة
وكان البرلمان التركي قد أقر في أغسطس/آب 2026 قانون «تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي»، في خطوة وضعت الإطار القانوني للتعامل مع النتائج المترتبة على إنهاء الوجود الفعلي لحزب العمال الكردستاني وتسليم الأسلحة.
وتشير البيانات الرسمية للبرلمان التركي إلى أن التشريع يستهدف تنظيم إجراءات تأجيل التحقيقات والملاحقات القضائية وتنفيذ بعض أحكام الإدانة، بعد استيفاء الشروط المنصوص عليها في القانون.
كما نُشر القانون في الجريدة الرسمية التركية في أغسطس/آب، ودخل بذلك مرحلة التطبيق القانوني، وفق ما أوردته وكالة الأناضول.
شروط واضحة قبل تطبيق الإجراءات
ولا تمثل الإجراءات الجديدة إفراجاً عاماً أو تلقائياً عن جميع السجناء المرتبطين بالقضايا المشمولة، إذ وضع القانون مجموعة من الشروط التي تسبق تطبيق أحكامه.
وينص القانون التركي على ضرورة التحقق من إنهاء حزب العمال الكردستاني/منظومة مجتمعات كردستان (PKK/KCK) والتشكيلات المرتبطة به وجودها الفعلي وتسليم جميع الأسلحة والذخائر الموجودة تحت سيطرتها.
ويجب أن تتحقق المؤسسات الأمنية التركية من تنفيذ هذه الالتزامات، على أن يؤكد مجلس الأمن القومي التركي ذلك، قبل المضي في الإجراءات القانونية التي حددها التشريع.
ويعكس هذا الشرط حرص أنقرة على ربط التدابير القانونية بالتنفيذ الفعلي لعملية نزع السلاح، وعدم تحويل الإجراءات إلى آلية تلقائية منفصلة عن الالتزامات الأمنية والتنظيمية المنصوص عليها.
من تشملهم أحكام القانون؟
وبحسب النص الذي أقره البرلمان التركي، يشمل القانون عدداً من الجرائم المرتبطة بـPKK/KCK، ومن بينها إنشاء التنظيم أو إدارته أو العضوية فيه أو تقديم المساعدة له عن علم وإرادة، إضافة إلى الدعاية وبعض الجرائم المرتكبة في نطاق نشاطه، وفق التفاصيل والاستثناءات التي حددها التشريع.
ويعني ذلك أن معالجة ملفات السجناء والمطلوبين ستتم ضمن إطار قضائي وقانوني محدد وليس من خلال إفراج شامل وغير مشروط.
وأكد رئيس لجنة العدل في البرلمان التركي جودت يلماز خلال مناقشة التشريع أن تطبيقه يرتبط بإنهاء التنظيم والتشكيلات التابعة له وجودها الفعلي بصورة كاملة، وتسليم الأسلحة والذخائر، والتحقق من ذلك بواسطة المؤسسات الأمنية ثم تأكيده من مجلس الأمن القومي.
«تركيا بلا إرهاب».. مسار يتجاوز الجانب القانوني
وتنظر أنقرة إلى «تركيا بلا إرهاب» باعتباره مساراً يتجاوز الإجراءات المتعلقة بالسجناء والمطلوبين، ليشمل هدفاً أوسع يتمثل في إنهاء ملف الإرهاب وتعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي.
وكان مجلس الأمن القومي التركي قد أكد أن الوصول إلى هدفي «تركيا بلا إرهاب» و«منطقة بلا إرهاب» يمثل أهمية حيوية لمستقبل تركيا والمنطقة، مشدداً على استمرار العمل لتحقيق هذا الهدف.
كما أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحات سابقة أن الهدف النهائي لمسار «تركيا بلا إرهاب» يتمثل في التخلي الكامل عن السلاح وتنفيذ قرار حل التنظيم بصورة كاملة وإنهاء النشاط غير القانوني.
من عقود المواجهة إلى مرحلة نزع السلاح
ويمتد ملف حزب العمال الكردستاني لأكثر من أربعة عقود، منذ بدء نشاطه المسلح عام 1984، وشهدت تلك الفترة مواجهات وعمليات أمنية وعسكرية، إلى جانب مبادرات ومحاولات سياسية سابقة لإنهاء الصراع.
لكن المسار الحالي يقوم بصورة أساسية على إنهاء الوجود التنظيمي المسلح وتسليم الأسلحة، ثم معالجة النتائج القانونية والاجتماعية المترتبة على ذلك.
وتشير وكالة الأناضول إلى أن عملية نزع السلاح جاءت بعد دعوة عبد الله أوجلان للتخلي عن السلاح، وما أعقبها من إعلان التنظيم حل نفسه واتخاذ خطوات مرتبطة بعملية نزع السلاح.
وتعمل السلطات التركية بالتوازي على توفير الأساس التشريعي الذي ينظم مرحلة ما بعد نزع السلاح، بحيث تخضع الملفات المختلفة للقانون وللمؤسسات الرسمية المختصة.
مرحلة جديدة أمام تركيا
وتدخل عملية «تركيا بلا إرهاب» بذلك مرحلة مختلفة عن المراحل السابقة، إذ تنتقل من التركيز على إنهاء النشاط المسلح إلى التعامل القانوني والمؤسساتي مع النتائج المترتبة على عملية نزع السلاح.
ومن المتوقع أن تتضح خلال المرحلة المقبلة بصورة أكبر أعداد الأشخاص الذين ستشملهم الإجراءات فعلياً، بعد دراسة الملفات بصورة فردية وتطبيق الشروط الواردة في القانون.
وفي حال تطبيق المسار وفق الآليات المقررة، فإن الخطوات الجديدة يمكن أن تشكل محطة مهمة في جهود تركيا لترسيخ الأمن والاستقرار الداخلي، وإغلاق واحد من أكثر الملفات الأمنية تعقيداً واستمراراً على مدى العقود الماضية.
