لم تكن معركة ملاذكرد عام 1071 مجرد مواجهة عسكرية غيّرت أبواب الأناضول، بل كانت لحظة تأسيس لمسار تاريخي طويل. وبعد 955 عاماً، تبدو استعادة هذه الذكرى في الخطاب السياسي التركي أبعد من الاحتفال بالماضي؛ إنها محاولة لقراءة الحاضر من خلال التاريخ، وتحديد الموقع الذي تريد تركيا أن تشغله في شرق أوسط يعاد تشكيل موازينه بسرعة.
ملاذكرد.. حين يصبح التاريخ رسالة للمستقبل
من هنا يمكن فهم دلالة خطاب الرئيس رجب طيب أردوغان في الذكرى الـ955 لملاذكرد، حين شدد على أن تركيا لا خيار أمامها سوى أن تكون قوية وموحدة، وأن محاولات عرقلة مسيرتها عبر الاستفزازات لن تحقق أهدافها.
هذه الكلمات تتجاوز استحضار انتصار تاريخي إلى إعلان رؤية سياسية: القوة ليست دعوة إلى الحرب، بل وسيلة لمنع فرض الحرب وشروطها على الدولة.
وفي الشرق الأوسط اليوم، تبدو هذه الفكرة أكثر وضوحاً مع استمرار الصراعات وتداخل ملفات غزة وسوريا وشرق المتوسط، في وقت تواجه فيه حكومة بنيامين نتنياهو تحديات داخلية وإقليمية متشابكة.
بين منطق الحرب ومنطق بناء القوة
هنا يظهر الفارق بين نهجين. الأول يقوم على إدارة المنطقة من خلال استمرار التوتر واستخدام التفوق العسكري للحفاظ على ميزان قوى ملائم لإسرائيل، فيما تتحرك أنقرة وفق تصور مختلف يقوم على توسيع أدوات القوة، مع إبقاء الدبلوماسية جزءاً أساسياً من المعادلة.
ولا تحتاج تركيا اليوم إلى إثبات هذا التحول بالشعارات. فقد تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية والجوية التركية حاجز 11 مليار دولار على أساس سنوي للمرة الأولى، ووصلت منتجات القطاع إلى عشرات الأسواق حول العالم، بينما توسعت قاعدة الشركات العاملة فيه إلى أكثر من 3500 شركة.
هذه الأرقام ليست اقتصادية فقط؛ إنها مؤشر إلى انتقال تركيا تدريجياً من الاعتماد على الخارج في قطاعات حساسة إلى امتلاك أدوات تمنح قرارها السياسي مساحة أكبر للحركة.
تركيا التي تغيّرت
المسألة إذاً ليست مقارنة بين قوتين عسكريتين بقدر ما هي مقارنة بين رؤيتين لمستقبل المنطقة.
فتركيا التي كانت قبل عقود مضطرة إلى مراعاة قيود كبيرة في ملفات الدفاع والسياسة الخارجية، أصبحت اليوم حاضرة في سوريا والقوقاز وشرق المتوسط والخليج، وتملك في الوقت نفسه قنوات اتصال مع واشنطن وموسكو وأوروبا والعالم العربي.
كما أن نمو الصناعة الدفاعية التركية، من المسيّرات إلى أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والرادارات والحرب الإلكترونية والمنصات البحرية، جعل الردع جزءاً متزايداً من أدوات السياسة الخارجية التركية. وقد بلغت صادرات القطاع 5.79 مليارات دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بزيادة 26.2% على أساس سنوي.
الردع لمنع الحرب
وهنا تكمن ربما أهم رسالة يمكن استخلاصها من ملاذكرد الجديدة: الدولة التي تريد السلام تحتاج إلى امتلاك القدرة التي تجعل الآخرين يحسبون كلفة مواجهتها.
لذلك فإن صعود تركيا لا ينبغي اختزاله في السلاح وحده. فالقوة الحديثة تتشكل من الاقتصاد والطاقة والممرات التجارية والتكنولوجيا والدبلوماسية والصناعات الدفاعية، إضافة إلى القدرة على بناء العلاقات مع أطراف متناقضة المصالح.
ومن هذه الزاوية، يصبح خطاب أردوغان حول ضرورة أن تكون تركيا قوية وموحدة وصفاً لمعادلة إقليمية جديدة أكثر منه استعادة لصفحة من التاريخ.
قد يسعى نتنياهو إلى إدارة أزماته عبر إبقاء المنطقة مشدودة إلى احتمالات الحرب، لكن أنقرة تراهن على شيء أبعد: بناء قوة تستطيع التأثير في شكل الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.
بعد 955 عاماً، ليست الرسالة أن ملاذكرد ستتكرر، بل إن التاريخ لا يتوقف عند معركة واحدة. وإذا كانت خرائط النفوذ في المنطقة تُرسم من جديد، فإن تركيا اليوم لم تعد تنتظر الدور الذي يكتبه لها الآخرون.
إنها تكتب دورها بنفسها.
