أعاد العثور على سمكة مجداف عملاقة نافقة على أحد شواطئ إندونيسيا الجدل حول واحدة من أشهر الأساطير المرتبطة بالكوارث الطبيعية، بعدما أثار ظهور الكائن البحري النادر مخاوف من احتمال أن يكون مؤشراً يسبق وقوع زلزال أو موجات تسونامي.
وتُعرف هذه السمكة شعبياً باسم "سمكة يوم القيامة"، بينما تحمل علمياً اسم سمكة المجداف (Oarfish)، وهي من الأسماك التي تعيش بعيداً عن السواحل وفي المياه العميقة، ما يجعل وصولها إلى الشاطئ حدثاً نادراً يثير الاهتمام.
وبحسب تقارير محلية، عُثر على السمكة نافقة على شاطئ "بينك" في إندونيسيا، وبلغ طولها أكثر من أربعة أمتار، قبل أن تنتشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي وتعيد معها الحديث عن الاعتقاد القديم بارتباط ظهورها بالنشاط الزلزالي.
لماذا تسمى "سمكة يوم القيامة"؟
لا يعود الاسم المخيف إلى حقيقة علمية، بل يرتبط بصورة أساسية بمعتقدات شعبية يابانية قديمة ربطت ظهور بعض أسماك أعماق البحار بالكوارث الطبيعية.
وتعيش كائنات كثيرة في بيئة الأعماق التي لا تزال أجزاء واسعة منها غير مستكشفة، إذ يوضح معهد سميثسونيان أن الضوء يتلاشى سريعاً كلما ازداد العمق، بينما تنخفض درجات الحرارة ويزداد ضغط المياه بصورة كبيرة.
وفي الموروث الشعبي الياباني، ساد اعتقاد بأن خروج أسماك الأعماق من موطنها ووصولها إلى الشواطئ قد يكون نتيجة اضطرابات في قاع البحر تسبق وقوع الزلازل.
وازداد انتشار هذه الفكرة بعد الزلزال الهائل الذي ضرب شمال شرقي اليابان عام 2011، وأعقبته موجات تسونامي مدمرة، بعدما جرى تداول تقارير عن ظهور عدد من أسماك الأعماق قبل الكارثة.
كما غذّت مشاهدات أخرى لأسماك المجداف في مناطق شهدت لاحقاً نشاطاً زلزالياً الاعتقاد بوجود صلة بين الظاهرتين، لكن التزامن وحده لا يكفي لإثبات وجود علاقة علمية بينهما.
دراسة علمية تختبر أسطورة سمكة المجداف
لم يكتف العلماء برفض الرواية الشعبية نظرياً، بل أخضعوا الفرضية للاختبار.
فقد تناولت دراسة علمية منشورة في Bulletin of the Seismological Society of America الاعتقاد الياباني بشأن ظهور أسماك أعماق البحار قبل الزلازل، وقارن الباحثون سجلات ظهور هذه الكائنات بالنشاط الزلزالي.
وجمع الباحثون بيانات عن مئات الحالات لظهور أسماك أعماق في اليابان، ثم بحثوا عن علاقة زمنية ومكانية بينها وبين الزلازل.
ولم تظهر النتائج دليلاً إحصائياً يسمح باستخدام ظهور هذه الأسماك وسيلة موثوقة للتنبؤ بالزلازل، وهو ما يضعف الأساس العلمي للأسطورة التي استمرت قروناً.
وتشير كذلك هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى وجود روايات تاريخية عديدة تتحدث عن سلوك غير معتاد للحيوانات والأسماك والطيور قبل الزلازل، لكن العلماء لم يتمكنوا حتى الآن من إثبات نمط ثابت وموثوق يمكن استخدامه للتنبؤ بوقوعها.
لماذا تظهر أسماك الأعماق على الشواطئ؟
إذا لم تكن الزلازل هي السبب المثبت، يبقى السؤال: لماذا تصعد سمكة تعيش في الأعماق إلى السطح أو تصل إلى الساحل؟
يمكن أن تكون وراء ذلك عوامل بيئية وبيولوجية متعددة، من بينها المرض أو الإصابة والتغيرات في درجات حرارة المياه والتيارات البحرية واضطرابات البيئة التي تعيش فيها الأسماك.
كما أن التغيرات التي تحدث في المحيطات، ومنها ظاهرة النينيو، يمكن أن تؤثر في درجات حرارة المياه والتيارات والأنظمة البحرية، ولذلك يبحث العلماء عادة عن تفسير بيئي أو بيولوجي عند دراسة حالات نفوق الكائنات البحرية ووصولها بصورة غير معتادة إلى السواحل.
ولا يعني ذلك أن سبب وصول كل سمكة مجداف إلى الشاطئ يمكن تحديده مباشرة، إذ تحتاج كل حالة إلى دراسة ظروفها البحرية والبيئية بصورة منفصلة.
هل تستطيع الحيوانات التنبؤ بالزلازل؟
هذه القضية أوسع من قصة سمكة المجداف، إذ تتكرر منذ عقود روايات عن تغير سلوك الحيوانات قبل وقوع الزلازل.
لكن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تؤكد أن الأدلة المتاحة لا تثبت وجود سلوك حيواني ثابت وموثوق يمكن استخدامه كوسيلة للتنبؤ بالزلازل.
وتستطيع بعض الحيوانات بالفعل استشعار الموجات الأولية للزلزال قبل أن يشعر الإنسان بالاهتزاز الأقوى، لكن ذلك يحدث بعد بدء الزلزال نفسه ولا يمثل تنبؤاً به قبل أيام أو أسابيع.
وهل يستطيع العلماء التنبؤ بموعد الزلزال؟
رغم التطور الكبير في أجهزة الرصد ودراسة حركة الصفائح والفوالق، فإن العلم لا يستطيع حتى الآن تحديد موعد ومكان وقوة زلزال كبير قبل وقوعه.
وتوضح هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن التنبؤ الحقيقي بالزلزال يفترض تحديد ثلاثة عناصر أساسية هي التوقيت والموقع والقوة، وهو أمر غير متاح علمياً حتى اليوم.
ما يستطيع العلماء فعله هو تقدير احتمالات النشاط الزلزالي في منطقة معينة خلال مدة زمنية طويلة، إلى جانب تطوير أنظمة الإنذار المبكر التي ترصد الزلزال فور بدئه وترسل تحذيرات قبل وصول الموجات الأكثر قوة إلى بعض المناطق.
وبالتالي، فإن ظهور "سمكة يوم القيامة" على شاطئ إندونيسي قد يكون حدثاً بحرياً نادراً ومثيراً، لكنه لا يمثل وفق الأدلة العلمية المتاحة إنذاراً موثوقاً بقرب وقوع زلزال أو تسونامي.
وتبقى القيمة العلمية الحقيقية لهذه الحالات في دراسة الأسباب البيئية التي تدفع أحد أكثر كائنات أعماق البحار غرابة إلى مغادرة بيئته والوصول إلى الشواطئ، بدلاً من التعامل معه باعتباره نذيراً لكارثة قادمة.
