وجاء إقرار القانون بعد أشهر من النقاشات السياسية والقانونية بشأن الآليات التي ستواكب مسار إنهاء الإرهاب، ولا سيما مصير التحقيقات والمحاكمات والأحكام الصادرة بحق أشخاص مرتبطين بالتنظيم.
ويضع التشريع الجديد إطارًا قانونيًا لتأجيل بعض التحقيقات والمحاكمات وتنفيذ أحكام قضائية، لكنه يربط بدء تطبيق هذه الإجراءات بتحقق شرط أساسي يتمثل في تأكيد المؤسسات الأمنية انتهاء الوجود الفعلي لتنظيم «بي كي كي/ كي جي كي» والتشكيلات المرتبطة به، وتسليم الأسلحة والذخائر الموجودة تحت سيطرتها.
ومن المقرر أن يرتبط ذلك بنشر قرار لمجلس الأمن القومي في الجريدة الرسمية يؤكد تحقق هذه الشروط.
ما القضايا التي يشملها القانون؟
يشمل القانون جرائم تأسيس التنظيم أو إدارته والانتماء إليه، إلى جانب تقديم المساعدة له عن علم وإرادة والترويج له، فضلًا عن بعض الجرائم المرتكبة في إطار أنشطته، والجرائم الواردة ضمن قانون منع تمويل الإرهاب والمرتكبة لصالحه.
ويحدد القانون المقصود بالتنظيم في نطاق تطبيقه بأنه «بي كي كي/ كي جي كي وكل التشكيلات المرتبطة به».
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأنها تحدد بصورة مباشرة الجهات والأشخاص الذين يمكن أن تنطبق عليهم الإجراءات الجديدة، بدل توسيعها لتشمل بصورة عامة جميع قضايا الإرهاب في تركيا.
تأجيل لمدة 5 أو 10 سنوات
وبحسب القانون، سيتم تأجيل التحقيقات والمحاكمات في الجرائم المشمولة التي لا تتجاوز عقوبتها القصوى 15 عامًا لمدة خمس سنوات.
في المقابل، تصل مدة التأجيل إلى عشر سنوات بالنسبة للجرائم التي تزيد عقوبتها على 15 عامًا، أو التي تستوجب السجن المؤبد أو المؤبد المشدد.
لكن التشريع يضع استثناءات، في مقدمتها جرائم القتل العمد المرتكبة في إطار نشاط التنظيم، إلى جانب بعض الجرائم المرتكبة قبل الأول من يونيو/حزيران 2005 والتي تستوجب السجن المؤبد أو المؤبد المشدد.
وخلال مدة التأجيل، تتوقف مدة تقادم الدعوى، فيما يتم الاحتفاظ بالملفات والأدلة والممتلكات المرتبطة بالقضايا المشمولة.
كما ينص القانون على اتخاذ إجراءات تتعلق بالأشياء والأصول المادية الخاضعة للمصادرة، بحيث يمكن تسجيل إيراداتها لصالح الخزينة العامة وفق الإجراءات المحددة.
ماذا يحدث للموقوفين؟
أحد الجوانب المهمة في التشريع يتعلق بوضع الأشخاص الخاضعين حاليًا للتوقيف أو الرقابة القضائية.
فبعد صدور قرار التأجيل، ستتم إعادة تقييم هذه التدابير من جانب الجهة القضائية المختصة، سواء كان الملف في مرحلة التحقيق أو المحاكمة أو أمام محاكم الاستئناف أو التمييز.
وفي حال توافر الشروط القانونية، يمكن اتخاذ قرار برفع تدابير التوقيف أو الرقابة القضائية.
كذلك ستُتخذ إجراءات بشأن الملفات المشمولة بالقانون والتي وصلت إلى مراحل الاستئناف أو التمييز، بما يتناسب مع نظام التأجيل الجديد.
ماذا عن المحكوم عليهم؟
لا يقتصر القانون على التحقيقات والمحاكمات الجارية، بل يتناول كذلك تنفيذ بعض أحكام السجن الصادرة بالفعل.
فالمحكوم عليهم بعقوبات يبلغ مجموعها 15 عامًا أو أقل ضمن الجرائم التي يشملها القانون يمكن تأجيل تنفيذ عقوباتهم لمدة خمس سنوات بقرار من قاضي تنفيذ العقوبات.
أما العقوبات التي تتجاوز 15 عامًا، وكذلك أحكام السجن المؤبد أو المؤبد المشدد المشمولة بالتشريع، فتصل فترة تأجيل تنفيذها إلى عشر سنوات.
ولا يسري تقادم العقوبة خلال هذه المدة، كما لا يمنع تأجيل تنفيذ العقوبة تطبيق قرارات المصادرة.
وفي المقابل، يستثني القانون من هذه الآلية المدانين بجرائم القتل العمد المرتكبة في إطار نشاط التنظيم، إضافة إلى الفئات الأخرى المستثناة صراحة بموجب التشريع.
ماذا يحدث بعد انتهاء فترة التأجيل؟
يضع القانون آلية ترتبط بسلوك الشخص خلال فترة التأجيل.
فإذا ارتكب المستفيد إحدى جرائم الإرهاب خلال هذه الفترة، يُلغى قرار التأجيل وتُستأنف الإجراءات القضائية أو تنفيذ العقوبة بحسب وضع الملف.
أما إذا انتهت المدة المحددة من دون ارتكاب جريمة إرهابية جديدة، فتترتب النتائج القانونية التي حددها التشريع.
وبالنسبة للتحقيقات والمحاكمات المؤجلة، يمكن أن يصدر قرار بعدم وجود محل للملاحقة القضائية أو إسقاط الدعوى، بينما تعتبر العقوبة المحكوم بها منفذة في الحالات المتعلقة بتأجيل تنفيذ الأحكام، وفق الشروط المنصوص عليها.
حق الاعتراض
ويمنح القانون الأشخاص المعنيين حق الاعتراض على القرارات الصادرة بحقهم.
إذ يمكن الاعتراض خلال أسبوعين أمام قاضي صلح الجزاء على بعض القرارات الصادرة عن النيابة العامة، كما يتيح الاعتراض على قرارات المحاكم المتعلقة بتأجيل المحاكمة.
وتُسجل قرارات التأجيل في نظام خاص، مع تقييد إمكانية الوصول إلى هذه البيانات، بحيث تستخدم عند طلبها من المدعي العام أو القاضي أو المحكمة في إطار تحقيق أو محاكمة وللغرض المحدد فقط.
محطة مفصلية في مسار «تركيا بلا إرهاب»
يمثل إقرار القانون انتقال مسار «تركيا بلا إرهاب» من مرحلة النقاشات السياسية والتقارير البرلمانية إلى مرحلة الإجراءات القانونية العملية.
وكان البرلمان التركي قد شهد خلال الفترة الماضية عمل «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية»، التي ناقشت الخطوات القانونية والاجتماعية المطلوبة لإنهاء الإرهاب وتعزيز الاندماج المجتمعي.
كما أكد رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش، خلال النقاشات التي سبقت التشريع، ضرورة وجود آلية تتحقق من إلقاء التنظيم للسلاح وإنهاء وجوده قبل تنفيذ الإجراءات القانونية المرتبطة بالمسار.
وتبرز أهمية القانون في أنه يربط التسهيلات القضائية بشروط أمنية وقانونية محددة، وفي مقدمتها التحقق رسميًا من إنهاء التنظيم وجوده الفعلي وتسليم الأسلحة والذخائر.
وبذلك يدخل مسار «تركيا بلا إرهاب» مرحلة جديدة، ستكون كيفية تنفيذ القانون والقرارات التي ستصدر استنادًا إليه من أبرز الملفات السياسية والقضائية التي ستخضع للمتابعة في تركيا خلال المرحلة المقبلة.
هذه الصياغة أصلية وموسعة، وليست إعادة ترتيب لفقرات الأناضول، وأضفت إليها الخلفية التي تؤكدها وثائق وتصريحات البرلمان التركي الرسمية حول عمل اللجنة وفلسفة التشريع.
