آخر الأخبار
تحميل آخر الأخبار...

لغز مفاوضات واشنطن وطهران

الرأي |
وفدان أمريكي وإيراني خلال مفاوضات سياسية حول الملف النووي

كتب : وسيم فؤاد الأدهمي |

في السياسة الدولية، لا تكشف الأسماء التي تجلس إلى طاولة المفاوضات عن هوية المفاوضين فحسب، بل تعكس أيضاً طبيعة المرحلة، وآلية اتخاذ القرار، والرسائل التي ترغب الدول في إيصالها إلى خصومها وحلفائها في آن واحد. ولهذا، فإن متابعة المفاوضات الأمريكية الإيرانية لا تقتصر على دراسة بنود الاتفاقات أو نقاط الخلاف، بل تمتد إلى سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل أبعاداً سياسية عميقة: من يقود هذه المفاوضات، ولماذا؟

على امتداد العقود الماضية، اعتادت الولايات المتحدة إسناد أكثر ملفاتها حساسية إلى وزراء الخارجية أو كبار الدبلوماسيين المحترفين، كما حدث خلال المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015، حين لعب وزير الخارجية الأمريكي جون كيري دوراً محورياً في إدارة الحوار مع إيران والدول الكبرى. أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة؛ إذ يتصدر المشهد مبعوثون وشخصيات مقربة من الرئيس دونالد ترامب، في مؤشر يعكس أسلوباً مختلفاً في إدارة السياسة الخارجية.

هذا التحول لا يعني بالضرورة أن المؤسسات التقليدية فقدت تأثيرها، لكنه يكشف أن البيت الأبيض بات يمنح ثقلاً أكبر للدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس، وهي دائرة تعتمد على الثقة الشخصية والولاء السياسي بقدر اعتمادها على الخبرة الدبلوماسية. ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هذا الأسلوب أفضل أو أسوأ، بل ما إذا كان أكثر قدرة على تحقيق نتائج في ملفات شديدة التعقيد مثل الملف الإيراني.

أنصار هذا النهج يرون أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تجاوز البيروقراطية التقليدية التي كثيراً ما تبطئ المفاوضات، وأن وجود شخصيات مقربة منه يمنح المفاوض الأمريكي مرونة أكبر وسرعة في اتخاذ القرار. وفي المقابل، يرى منتقدون أن الملفات النووية والأمنية تحتاج إلى خبرات تراكمية وفهم عميق للتوازنات الدولية، وأن العلاقات الشخصية لا يمكن أن تكون بديلاً عن المؤسسات الدبلوماسية التي تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات.

لكن قراءة المشهد من زاوية الأشخاص وحدها قد تكون مضللة. فالمفاوضات الأمريكية الإيرانية لم تكن يوماً مجرد نقاش حول نسب تخصيب اليورانيوم أو رفع العقوبات، بل هي جزء من معادلة إقليمية ودولية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها حسابات الأمن في الخليج، ومستقبل النفوذ الإيراني، وأمن إسرائيل، وأسواق الطاقة، إضافة إلى المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.

وفي هذا السياق، تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها تحاول الموازنة بين هدفين متناقضين ظاهرياً؛ فمن جهة، ترغب في منع إيران من تطوير قدراتها النووية بصورة تهدد التوازن الإقليمي، ومن جهة أخرى، لا تبدو واشنطن راغبة في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تستنزف مواردها وتفرض عليها إعادة تركيز اهتمامها في الشرق الأوسط، بينما تعلن باستمرار أن أولوياتها الاستراتيجية تتجه نحو آسيا.

أما إيران، فهي بدورها لا تدخل المفاوضات من موقع الطرف المستعد لتقديم تنازلات مجانية، بل من منطلق أنها صمدت سنوات طويلة تحت العقوبات، وتسعى اليوم إلى ترجمة هذا الصمود إلى مكاسب اقتصادية وسياسية. وفي المقابل، تدرك أن استمرار العزلة يحمل كلفة مرتفعة على اقتصادها الداخلي، ما يجعلها أكثر استعداداً للبحث عن تسويات تحفظ مصالحها الأساسية دون أن تبدو وكأنها تراجعت تحت الضغط.

ولا يمكن إغفال البعد الداخلي في الولايات المتحدة. فكل خطوة تتعلق بإيران تخضع لرقابة الكونغرس، وتثير نقاشاً واسعاً داخل الحزب الجمهوري نفسه، الذي يضم تيارات تختلف في رؤيتها لدور الولايات المتحدة في العالم. فهناك من يدعو إلى التركيز على الداخل وتقليص الانخراط في النزاعات الخارجية، وهناك من يرى أن الحفاظ على النفوذ الأمريكي يتطلب سياسة أكثر حزماً تجاه الخصوم التقليديين.

لهذا، قد يكون اختلاف الأدوار داخل الإدارة الأمريكية تعبيراً عن توزيع للمهام أكثر منه دليلاً على وجود انقسام حاد. فالسياسات الكبرى لا تُبنى عادة على شخص واحد، بل على توازنات بين مؤسسات ورؤى ومصالح، حتى وإن بدا القرار النهائي محصوراً في يد الرئيس.

في النهاية، تبقى المفاوضات وسيلة وليست غاية. فنجاحها لن يقاس بعدد الاجتماعات أو هوية المشاركين فيها، بل بقدرتها على إنتاج تفاهمات قابلة للحياة، تخفف احتمالات التصعيد وتمنح المنطقة قدراً أكبر من الاستقرار. أما إذا بقيت الخلافات الجوهرية دون حلول، فإن تبديل الوجوه حول طاولة التفاوض لن يكون كافياً لتغيير مسار الصراع، لأن المشكلة ستظل في مضمون السياسة أكثر مما هي في أسماء من يديرونها.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

منصة تركيا الاخبارية | موقع إخباري عربي مستقل يُعنى بمتابعة الشأن التركي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويهدف إلى نقل الأخبار والتطورات من تركيا إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومهنية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.