آخر الأخبار
تحميل آخر الأخبار...

تقسيط الديون الضريبية في تركيا.. من يستفيد؟

أخبار تركيا |
مع اقتراب الموعد النهائي في 31 أغسطس 2026، تكثف السلطات التركية دعواتها للمواطنين والشركات التي لديها ديون ضريبية للاستفادة من نظام تقسيط المستحقات العامة، في خطوة تستهدف تسهيل السداد وتخفيف الضغوط المالية، مع منح مزايا قانونية مهمة أبرزها وقف إجراءات الحجز الإداري فور قبول طلب التقسيط.

ويحظى البرنامج باهتمام واسع، إذ أظهرت بيانات رئاسة إدارة الإيرادات التركية (GİB) أن أكثر من 228 ألف مكلف تقدموا بطلبات خلال أول 25 يوماً من بدء التطبيق، فيما جرى إدراج ديون تتجاوز قيمتها 206 مليارات ليرة تركية ضمن برامج التقسيط، وهو ما يعكس حجم الإقبال على هذه التسهيلات. 

ولا تنظر الحكومة التركية إلى هذه الآلية باعتبارها "عفواً ضريبياً"، وإنما وسيلة قانونية لمساعدة المكلفين الذين يواجهون صعوبات في السيولة النقدية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استمرار تحصيل الإيرادات العامة وعدم تراكم الديون لسنوات طويلة.

ويستند النظام إلى أحكام المادة 48 من قانون تحصيل الديون العامة رقم 6183، والتي شهدت تعديلات حديثة وسعت نطاق الاستفادة من التقسيط، سواء من حيث مدة السداد أو شروطه، بهدف منح مرونة أكبر للأفراد والشركات في إدارة التزاماتهم المالية. 

من يحق له الاستفادة؟

يشمل النظام شريحة واسعة من المكلفين، سواء كانوا أفراداً أو شركات، ممن ترتبت عليهم ديون عامة أصبحت مستحقة قبل التاريخ المحدد في القرار.

ويستطيع الاستفادة من البرنامج أصحاب الأعمال، والشركات التجارية، والمهن الحرة، وكذلك الأفراد الذين ترتبت عليهم مستحقات ضريبية أو غرامات أو رسوم تدخل ضمن اختصاص إدارات الضرائب التركية، شريطة تقديم الطلب خلال المهلة القانونية واستيفاء الشروط المحددة. 

ويكتسب البرنامج أهمية خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي قد تواجه صعوبة في سداد مبالغ كبيرة دفعة واحدة، إذ يسمح لها بتوزيع الالتزامات على سنوات عدة، بما يساعدها على المحافظة على تدفقاتها النقدية واستمرار نشاطها الاقتصادي.

ما الديون التي يمكن تقسيطها؟

تشمل التسهيلات عدداً كبيراً من الديون العامة، من أبرزها:

  • ضريبة الدخل.

  • ضريبة الشركات.

  • الرسوم الحكومية.

  • الغرامات الإدارية، ومنها مخالفات المرور.

  • بعض الرسوم القضائية.

  • بعض الديون العامة الأخرى التي تتولى إدارات الضرائب تحصيلها.

  • بعض قروض التعليم الحكومية المشمولة بالنظام. 

في المقابل، لا تدخل جميع الديون ضمن النظام نفسه، إذ توجد مستحقات تخضع لقواعد مختلفة، كما أن بعض الضرائب لها مدد تقسيط خاصة؛ فعلى سبيل المثال، حُددت مدة تقسيط ضريبة القيمة المضافة في بعض الحالات بـ12 شهراً، بخلاف الديون الأخرى التي يمكن أن تمتد لفترة أطول. 

ما الذي تغير في النظام الجديد؟

تعد التعديلات الأخيرة من أبرز التغييرات التي شهدها نظام تحصيل الديون في تركيا خلال السنوات الأخيرة.

فبعد أن كان الحد الأقصى لفترة التقسيط يبلغ 36 شهراً في كثير من الحالات، أصبح بالإمكان تمديدها حتى 72 شهراً، أي ست سنوات، وفقاً للشروط القانونية المقررة.

كما خُفضت فائدة التقسيط إلى 29% سنوياً بدلاً من 39%، الأمر الذي يقلل الكلفة الإجمالية على المدين مقارنة بالاستمرار في تراكم فوائد التأخير.

ومن بين التسهيلات أيضاً رفع الحد الذي يُعفى من تقديم الضمانات إلى 10 ملايين ليرة تركية، وهو تعديل يخفف الأعباء عن الشركات والأفراد الذين كانوا يضطرون في السابق إلى تقديم ضمانات مالية أو عقارية للحصول على التقسيط. 

لماذا يشكل وقف الحجز الإداري ميزة مهمة؟

ربما تكون أهم فائدة عملية لهذا النظام هي تعليق إجراءات التحصيل القسري.

فبمجرد قبول طلب التقسيط، تتوقف إجراءات الحجز الإداري المتعلقة بالديون المشمولة، فلا يتم فرض حجوزات جديدة على الحسابات المصرفية أو العقارات أو المركبات بسبب تلك الديون، كما يمكن في بعض الحالات إزالة القيود المفروضة على المركبات بما يسمح بإجراء الفحص الفني واستكمال المعاملات المرتبطة بها. 

وتحظى هذه النقطة بأهمية كبيرة بالنسبة لأصحاب الشركات، لأن استمرار الحجز على الحسابات البنكية قد يعطل دفع الرواتب أو تسديد مستحقات الموردين، بينما يؤدي الحجز على الأصول إلى تقييد النشاط التجاري والاستثماري.

ولهذا ترى الأوساط الاقتصادية أن نظام التقسيط لا يقتصر على تحصيل الديون، بل يساهم أيضاً في إبقاء عجلة النشاط الاقتصادي دائرة، عبر منح المكلفين فرصة لتسوية أوضاعهم دون التعرض لإجراءات تنفيذية قد تؤثر في أعمالهم.

ماذا يحدث إذا لم يلتزم المكلف بسداد الأقساط؟

لا يقتصر نجاح الاستفادة من نظام التقسيط على تقديم الطلب وقبوله، بل يتطلب أيضاً الالتزام الكامل بجدول السداد الذي تحدده إدارة الإيرادات. فالحصول على التسهيلات لا يعني إلغاء الدين، وإنما إعادة تنظيمه وفق شروط جديدة تمنح المكلف وقتاً أطول وكلفة تمويل أقل.

وفي حال تخلف المكلف عن سداد الأقساط وفق الشروط المحددة، فقد يفقد الامتيازات التي منحها النظام، لتعود إجراءات التحصيل إلى مسارها الطبيعي، بما في ذلك إعادة تفعيل إجراءات الحجز الإداري أو استكمالها بحسب وضع كل ملف. ولهذا تنصح إدارة الإيرادات المتقدمين بعدم طلب التقسيط إلا إذا كانوا قادرين على الالتزام ببرنامج السداد حتى نهايته.

وتسمح التعليمات كذلك للمكلفين الذين لديهم خطط تقسيط سارية بإعادة تقييم أوضاعهم والاستفادة من النظام الجديد إذا استوفوا شروطه، بما يمنحهم فائدة أقل أو مدة سداد أطول مقارنة بالترتيبات السابقة.

كيف يمكن تقديم الطلب؟

حرصت الحكومة التركية على جعل إجراءات التقديم إلكترونية إلى حد كبير، بهدف تقليل الوقت والجهد على المكلفين.

ويمكن تقديم الطلب بإحدى الوسائل التالية:

  • عبر بوابة الحكومة الإلكترونية e-Devlet.
  • من خلال الموقع الإلكتروني لإدارة الإيرادات التركية (GİB).
  • عبر مكتب الضرائب الرقمي (Digital Tax Office).
  • أو بالحضور شخصياً إلى دائرة الضرائب المختصة وتقديم الطلب ورقياً.

وتؤكد إدارة الإيرادات أن الطلبات الإلكترونية تتمتع بالقوة القانونية نفسها التي تتمتع بها الطلبات الورقية، كما أنها تتيح متابعة حالة الطلب وجدول الأقساط إلكترونياً بعد الموافقة عليه.

لماذا تلجأ تركيا إلى إعادة جدولة الديون؟

على خلاف ما يعتقده البعض، فإن هذه الإجراءات لا تُعد إعفاءً ضريبياً، بل هي أداة مالية تستخدمها الحكومات عندما ترى أن تحصيل الديون دفعة واحدة قد يؤدي إلى تعثر عدد كبير من المكلفين، وبالتالي انخفاض الإيرادات العامة على المدى المتوسط.

وتستهدف السياسة الحالية مساعدة الشركات والأفراد الذين يواجهون صعوبات في السيولة، مع الحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي، بدلاً من دفعهم إلى مواجهة إجراءات تنفيذية قد تؤثر في قدرتهم على الإنتاج أو الاستثمار. كما تساعد إعادة الجدولة الدولة على تحصيل جزء كبير من الديون التي قد تبقى معلقة لسنوات إذا استمرت إجراءات التنفيذ التقليدية وحدها.

ويرى خبراء اقتصاديون أن منح مدد سداد أطول، مع خفض فائدة التقسيط، يحقق توازناً بين مصلحة الخزانة العامة واحتياجات القطاع الخاص، خصوصاً في الفترات التي ترتفع فيها تكاليف التمويل وأسعار الفائدة.

فرصة مؤقتة وليست دائمة

رغم المزايا التي يقدمها النظام، فإن السلطات التركية شددت على أن هذه التسهيلات مرتبطة بمهلة زمنية محددة، تنتهي في 31 أغسطس 2026، وبعدها لن يكون بالإمكان الاستفادة من الشروط الاستثنائية الحالية.

ولهذا دعت إدارة الإيرادات جميع المكلفين إلى مراجعة أوضاعهم المالية وعدم الانتظار حتى الأيام الأخيرة، سواء لتجنب الضغط على الأنظمة الإلكترونية أو لإتاحة الوقت لاستكمال أي مستندات مطلوبة.

كما ينبغي على أصحاب الديون لدى أكثر من دائرة ضريبية الانتباه إلى أن التعليمات قد تستلزم تقديم طلب مستقل لكل دائرة مختصة، بحسب طبيعة الدين والجهة التي تتولى تحصيله.

ولا شك أن الإقبال الكبير الذي شهدته الأسابيع الأولى من البرنامج يعكس إدراك المكلفين لأهمية هذه الفرصة. فوفق أحدث البيانات، تجاوز عدد الطلبات 228 ألف طلب، فيما تخطت قيمة الديون التي دخلت برنامج التقسيط 206 مليارات ليرة تركية خلال فترة قصيرة من إطلاقه، وهو ما يعكس حجم الاستجابة لهذه التسهيلات.

وبالنسبة للمواطنين والشركات، فإن القرار لا يقتصر على تأجيل السداد، بل يمنحهم فرصة لإعادة تنظيم أوضاعهم المالية، ووقف إجراءات الحجز، والاستفادة من تكلفة تمويل أقل، وهو ما قد يخفف الضغوط على قطاعات واسعة من الاقتصاد التركي خلال المرحلة المقبلة.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

منصة تركيا الاخبارية | موقع إخباري عربي مستقل يُعنى بمتابعة الشأن التركي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويهدف إلى نقل الأخبار والتطورات من تركيا إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومهنية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.