آخر الأخبار
تحميل آخر الأخبار...

ماذا وراء الاتفاق النووي السعودي؟

ابرز الاخبار |
الاتفاق النووي السعودي وأبعاده السياسية في الشرق الأوسط

وسيم فؤاد الأدهمي

لا يمكن النظر إلى الاتفاق النووي بين السعودية والولايات المتحدة بوصفه مشروعاً تقنياً لإنتاج الكهرباء فقط، فخلف المفاعلات وتخصيب اليورانيوم تقف حسابات سياسية وأمنية تتصل بإيران وإسرائيل ومستقبل التحالفات في الشرق الأوسط.

تحتاج السعودية بالفعل إلى تنويع مصادر الطاقة، في ظل توسع المدن والمشروعات الصناعية وارتفاع الطلب على الكهرباء وتحلية المياه. كما أن استخدام الطاقة النووية يتيح للمملكة تقليل استهلاك النفط محلياً وتوجيه كميات أكبر منه نحو التصدير والصناعات ذات القيمة المضافة.

لكن النقطة الأكثر حساسية لا تتعلق ببناء المفاعلات، وإنما بإمكان تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي السعودية. فالمملكة تستطيع استيراد الوقود النووي من الخارج، إلا أن امتلاك دورة الوقود يمنحها استقلالاً تقنياً وقدرة استراتيجية تتجاوز إنتاج الكهرباء.

امتلاك التخصيب لا يعني تلقائياً الاتجاه نحو السلاح النووي، لكنه يضع الدولة في موقع متقدم، لأنها تصبح قادرة على تطوير خبراتها وبنيتها التحتية النووية من دون الاعتماد الكامل على الخارج. وهنا يظهر البرنامج الإيراني بوصفه الخلفية الأساسية للطموح السعودي.

فالسعودية لا تريد أن تجد نفسها أمام إيران تمتلك خبرة طويلة في التخصيب، بينما تُفرض عليها قيود تمنعها من امتلاك التقنية نفسها. وإذا قبلت واشنطن مستقبلاً ببقاء قدرات التخصيب الإيرانية تحت الرقابة الدولية، سيكون من الصعب إقناع الرياض بالتخلي عن حق مماثل.

من هذه الزاوية، يمكن فهم الاتفاق النووي السعودي باعتباره رسالة إلى طهران أيضاً: أي اعتراف دولي بقدرات إيران النووية سيؤدي إلى إعادة تشكيل التوازن الاستراتيجي في المنطقة، ولن تبقى السعودية متفرجة على هذا التحول.

غير أن ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تنفيذ الاتفاق بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل يكشف أن المشروع النووي أصبح ورقة تفاوض سياسية. فالولايات المتحدة تريد من خلال الاتفاق تحقيق أكثر من هدف: إبعاد الرياض عن الصين وروسيا، وفتح سوق ضخمة أمام الشركات الأمريكية، ودفع السعودية نحو الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.

كما أن اشتراط التطبيع قد يكون محاولة لتهدئة المخاوف الإسرائيلية من وجود برنامج تخصيب سعودي. فإسرائيل ترغب في علاقات كاملة مع الرياض، لكنها لا تريد ظهور قوة نووية كامنة جديدة في المنطقة، حتى لو كانت دولة حليفة للولايات المتحدة.

في المقابل، لا تزال السعودية تربط التطبيع بإقامة دولة فلسطينية أو بتحقيق تقدم واضح في القضية الفلسطينية، ما يعني أن الشرط الأمريكي قد يؤخر الاتفاق بدلاً من تسريعه.

الخطر الأكبر يكمن في أن حصول السعودية على حق التخصيب قد يدفع دولاً أخرى، مثل تركيا ومصر، إلى المطالبة بالحق نفسه. وعندها قد تنتقل المنطقة من سباق تسلح تقليدي إلى سباق على امتلاك قدرات نووية كامنة.

الاتفاق النووي السعودي ليس إذاً مجرد صفقة طاقة، بل جزء من تفاوض أوسع على شكل الشرق الأوسط المقبل. السعودية تريد التكنولوجيا والضمانات الأمنية، وواشنطن تريد النفوذ والتطبيع، وإسرائيل تريد الاعتراف من دون تحمل نتائج انتشار القدرات النووية.

أما نجاح المشروع، فسيتوقف على الضمانات الدولية والرقابة والشفافية، وعلى قدرة الأطراف على منع تحوله من أداة تنمية إلى بداية سباق نووي إقليمي.


العودة إلى الصفحة الرئيسية

منصة تركيا الإخبارية تقدم آخر أخبار تركيا لحظة بلحظة، مع تقارير وتحليلات سياسية واقتصادية وسياحية ورياضية، وتغطية عربية موثوقة ومتجددة.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.