سامر حلوة - تقرير خاص
لم تكن استضافة تركيا لقمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لعام 2026 حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل جاءت في لحظة يمر فيها الحلف بإحدى أكثر مراحله حساسية منذ نهاية الحرب الباردة. فالحرب المستمرة في أوكرانيا، والتوتر المتصاعد في الشرق الأوسط، والتنافس المتزايد بين القوى الكبرى، جميعها عوامل دفعت قادة الدول الأعضاء إلى القدوم إلى أنقرة وهم يحملون ملفات تتجاوز حدود الدفاع التقليدي، لتشمل مستقبل الأمن الدولي وإعادة رسم أولويات الحلف خلال العقد المقبل.
وتنعقد القمة في وقت يشهد فيه العالم تحولات عسكرية متسارعة، دفعت العديد من الدول إلى مراجعة استراتيجياتها الدفاعية ورفع ميزانياتها العسكرية. وفي المقابل، تسعى دول الناتو إلى تعزيز جاهزيتها العسكرية وتطوير صناعاتها الدفاعية، في مواجهة تحديات باتت تمتد من أوروبا الشرقية إلى البحر الأسود والشرق الأوسط، مروراً بتهديدات الأمن السيبراني والطائرات المسيّرة والهجمات على خطوط الملاحة الدولية.
ولا يقتصر اهتمام القمة على الحرب في أوكرانيا، رغم أنها لا تزال تتصدر أولويات الحلف، بل يتوسع ليشمل التطورات الأخيرة في الخليج والملف النووي الإيراني، إضافة إلى أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وهي ملفات أصبحت ترتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصادات الغربية والأمن الجماعي للدول الأعضاء.
ومن هذا المنطلق، ينظر مراقبون إلى قمة أنقرة باعتبارها محطة قد تحدد ملامح السياسة الدفاعية للحلف خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تزايد الدعوات إلى تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة في بعض المجالات، دون المساس بوحدة الحلف أو التزامه بالدفاع الجماعي.
وتأتي هذه القمة أيضاً وسط نقاش واسع حول رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو هدف طموح يعكس قناعة متزايدة داخل الحلف بأن البيئة الأمنية الحالية تختلف جذرياً عما كانت عليه قبل سنوات قليلة، وأن الاستثمار في القدرات العسكرية أصبح أولوية استراتيجية لا يمكن تأجيلها.
وتحتل الحرب في أوكرانيا مساحة كبيرة من جدول الأعمال، إذ يسعى الحلف إلى الحفاظ على مستوى الدعم العسكري والسياسي لكييف، بالتزامن مع مناقشة سبل تعزيز الصناعات الدفاعية وتسريع إنتاج الذخائر والأنظمة العسكرية التي كشفت الحرب الحاجة المتزايدة إليها. كما ينتظر أن يناقش القادة آليات تعزيز الردع على الجبهة الشرقية للحلف، في ظل استمرار المواجهة مع روسيا دون مؤشرات على قرب التوصل إلى تسوية شاملة.
وفي المقابل، فرضت التطورات في الشرق الأوسط نفسها على أجندة القمة، بعدما أصبحت الهجمات على الملاحة البحرية في البحر الأحمر والخليج، والتوترات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، عوامل تؤثر بصورة مباشرة في أمن الطاقة والتجارة العالمية. لذلك، يتوقع أن يبحث القادة سبل تعزيز التعاون الاستخباراتي والعسكري لحماية الممرات البحرية، إلى جانب تنسيق المواقف تجاه الملف الإيراني.
وتبرز تركيا خلال هذه القمة بوصفها أكثر من مجرد دولة مضيفة. فموقعها الجغرافي الذي يربط أوروبا بالشرق الأوسط والبحر الأسود، وامتلاكها ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، يمنحانها دوراً محورياً في كثير من الملفات المطروحة للنقاش. كما أن أنقرة أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعباً مهماً في الصناعات الدفاعية، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بالتعاون مع الشركات التركية في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة البرية والبحرية والدفاع الجوي.
وتسعى تركيا من خلال استضافة القمة إلى تأكيد مكانتها داخل الحلف، وإبراز قدرتها على الجمع بين دورها الأمني وشراكاتها الصناعية، في وقت يشهد فيه الإنفاق العسكري الأوروبي ارتفاعاً ملحوظاً، مع بحث العديد من الدول عن شركاء قادرين على توفير حلول دفاعية بسرعة وكفاءة.
ورغم أهمية الملفات المطروحة، فإن القمة لن تخلو من تباينات في المواقف بين الدول الأعضاء. فرفع الإنفاق الدفاعي إلى خمسة في المئة يثير نقاشاً داخل عدد من العواصم الأوروبية التي تواجه ضغوطاً اقتصادية، كما تختلف وجهات النظر بشأن أولويات الحلف بين من يرى أن الخطر الروسي يجب أن يبقى في مقدمة الاهتمام، ومن يدعو إلى منح أزمات الشرق الأوسط والتهديدات غير التقليدية مساحة أكبر في الاستراتيجية الجديدة.
ومع ذلك، يبدو أن القاسم المشترك بين الحلفاء يتمثل في ضرورة الحفاظ على وحدة الناتو في مواجهة التحديات المتزايدة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو سيبرانية، مع تعزيز التعاون في مجالات الابتكار والتكنولوجيا الدفاعية والإنتاج العسكري المشترك.
وفي حال خرجت القمة بتوافقات عملية حول زيادة الإنفاق الدفاعي، وتعزيز التعاون الصناعي، ووضع رؤية مشتركة للتعامل مع أزمات أوكرانيا والشرق الأوسط، فإن أنقرة ستكون قد استضافت واحدة من أكثر قمم الناتو تأثيراً خلال السنوات الأخيرة. أما إذا بقيت الخلافات بين الحلفاء حاضرة في الملفات الحساسة، فقد تقتصر النتائج على تأكيد المواقف السياسية دون إحداث تحول كبير في سياسات الحلف.
وبغض النظر عن القرارات النهائية، تؤكد قمة أنقرة أن الناتو يدخل مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم الدفاع التقليدي، نحو رؤية أشمل تربط بين الأمن العسكري، والتكنولوجيا، والصناعة، وأمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية، وهي ملفات ستحدد إلى حد بعيد شكل التوازنات الدولية خلال السنوات المقبلة.

