وفي وقت تتصدر فيه الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، وأمن الملاحة الدولية، أجندة الحلف، أكد الأمين العام للناتو مارك روته أن الاجتماعات الأولى للقمة حققت نتائج مهمة، معتبراً أن الحلف انتقل من مرحلة وضع الخطط إلى مرحلة تنفيذها على أرض الواقع.
وقال روته، في تصريحات صحفية قبيل انطلاق الجلسة الرئيسية لليوم الثاني من القمة، إن اليوم الأول كان "نجاحاً كبيراً"، مشيراً إلى أنه شهد الإعلان عن عدد من الصفقات والتعهدات الجديدة التي ستسهم في تعزيز القدرات الدفاعية للدول الأعضاء، وترسيخ التعاون العسكري داخل الحلف.
وأضاف أن قمة لاهاي العام الماضي ركزت على تحديد الأهداف ووضع الخطط الاستراتيجية، بينما تمثل قمة أنقرة مرحلة مختلفة تقوم على تنفيذ تلك الالتزامات وتحويلها إلى خطوات عملية، سواء في مجال رفع الإنفاق الدفاعي أو توسيع الاستثمارات في الصناعات العسكرية.
وأكد أن الحلف يحقق تقدماً ملموساً في هذا المسار، موضحاً أن مستوى الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء يقترب هذا العام من 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في إطار الخطة التي تستهدف الوصول إلى 5 في المائة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يعكس، بحسب قوله، التزاماً جماعياً بتعزيز قدرات الردع والدفاع.
وأشار روته إلى أن تحقيق هذه النتائج لم يكن نتيجة عامل واحد، موضحاً أن الضغوط الأمريكية الداعية إلى زيادة مساهمة الدول الأعضاء في الإنفاق الدفاعي لعبت دوراً مهماً، إلى جانب المتغيرات الأمنية التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية، وما نتج عنها من إعادة تقييم شاملة لأولويات الأمن الأوروبي.
وأضاف أن هذه التطورات قادت إلى زيادة الاستثمارات في الصناعات الدفاعية، وتسريع برامج الإنتاج العسكري، وهو ما سيمنح الحلف قدرة أكبر على مواجهة التحديات المستقبلية.
وشدد الأمين العام للناتو على أن المحصلة النهائية لهذه الخطوات تتمثل في بناء "حلف أقوى وأوروبا أكثر قوة داخل ناتو أكثر تماسكاً"، مؤكداً أن الدول الأعضاء باتت أكثر إدراكاً لأهمية العمل المشترك في ظل البيئة الأمنية الحالية.
أنقرة في قلب المشهد الأطلسي
ولا تقتصر أهمية القمة على القرارات المنتظرة، بل تمتد إلى مكان انعقادها أيضاً. فاستضافة تركيا للقمة للمرة الثانية في تاريخها، بعد قمة إسطنبول عام 2004، تعكس موقعها المتنامي داخل الحلف، سواء من الناحية العسكرية أو الجغرافية أو الصناعية.
وخلال السنوات الأخيرة، عززت أنقرة حضورها داخل الناتو من خلال تطوير قدراتها الدفاعية، وزيادة مساهمتها في عمليات الحلف، إلى جانب تحقيق تقدم لافت في الصناعات الدفاعية، التي أصبحت أحد الملفات المطروحة بقوة على جدول أعمال القمة.
ويرى مراقبون أن استضافة القمة تمنح تركيا فرصة لتأكيد دورها كحلقة وصل بين أوروبا والشرق الأوسط، وكشريك رئيسي في الملفات المرتبطة بأمن البحر الأسود، والطاقة، ومكافحة الإرهاب، وحماية الممرات البحرية.
من التخطيط إلى التنفيذ
ويعتبر انتقال الحلف من مرحلة وضع الأهداف إلى تنفيذها أحد أبرز ملامح قمة أنقرة. فالقمة لا تكتفي بمناقشة زيادة الإنفاق العسكري، بل تبحث أيضاً آليات تسريع الإنتاج الدفاعي، وتوسيع التعاون الصناعي بين الدول الأعضاء، وتقليل الفجوات في القدرات العسكرية.
كما تتناول الاجتماعات سبل تعزيز الصناعات الدفاعية المشتركة، في ظل الطلب المتزايد على الذخائر ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات غير المأهولة، وهي دروس فرضتها الحرب في أوكرانيا وأظهرت أهمية امتلاك قاعدة صناعية قادرة على تلبية الاحتياجات العسكرية بسرعة.
ملفات تتجاوز أوكرانيا
ورغم استمرار الحرب الروسية الأوكرانية في صدارة النقاشات، فإن جدول أعمال القمة يشمل ملفات أخرى لا تقل أهمية، من بينها أمن الملاحة في الممرات البحرية، والبرنامج النووي الإيراني، ومكافحة الإرهاب، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتقنيات الدفاعية الحديثة.
وتعكس هذه الملفات اتساع مفهوم الأمن داخل الحلف، إذ لم يعد يقتصر على الدفاع العسكري التقليدي، بل بات يشمل حماية البنية التحتية الحيوية، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا المتقدمة، والأمن الاقتصادي.
ماذا بعد؟
يتوقع أن يشهد اليوم الثاني من القمة استكمال المناقشات بشأن رفع الإنفاق الدفاعي، وتعزيز التعاون الصناعي والعسكري، إلى جانب عقد لقاءات ثنائية بين عدد من القادة لبحث قضايا إقليمية ودولية.
ويرى محللون أن نجاح اليوم الأول يمنح زخماً سياسياً للمباحثات الجارية، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل التعهدات التي أُعلنت إلى برامج تنفيذية قابلة للقياس، بما يضمن تعزيز جاهزية الحلف في مواجهة بيئة أمنية تشهد تغيرات متسارعة.
ومع استمرار القمة، تبدو أنقرة اليوم مركزاً لواحدة من أهم الاجتماعات الأمنية الدولية، في وقت يسعى فيه الناتو إلى إعادة صياغة أولوياته الدفاعية، وتكييف استراتيجياته مع عالم يشهد تحولات متلاحقة في موازين القوى وطبيعة التهديدات.
