تتجه العلاقات الاقتصادية بين العراق وتركيا نحو مرحلة أكثر اتساعاً، مع إعلان بغداد ترحيبها بمشاركة الشركات التركية في مجموعة من مشروعات البنية التحتية الكبرى، يتصدرها مشروع «طريق التنمية»، إلى جانب تطوير مطارَي بغداد والموصل والمساهمة في استكمال ميناء الفاو الكبير. ويعكس هذا التوجه رغبة البلدين في نقل علاقاتهما من مستوى التبادل التجاري التقليدي إلى شراكة طويلة الأمد تقوم على النقل والطاقة والاستثمار والربط الإقليمي.
وأكد وزير النقل العراقي وهب سلمان محمد أن المباحثات التي أجراها مع وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو ركزت بصورة أساسية على مشروع طريق التنمية، الذي يُعد أحد أكبر المشروعات الاستراتيجية التي يعوّل عليها العراق لإعادة رسم موقعه على خريطة التجارة الدولية.
وأوضح الوزير العراقي أن الشركة الإيطالية المكلفة بإعداد التصاميم الهندسية أنجزت نحو 90% من أعمالها، متوقعاً استكمال تصاميم خطوط السكك الحديدية والطرق البرية بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2026. ويمثل الانتهاء من هذه المرحلة خطوة أساسية قبل الانتقال إلى عمليات التنفيذ الفعلي وطرح العقود المرتبطة بالمقاطع المختلفة للمشروع.
طريق يمتد من البصرة إلى تركيا
يمتد طريق التنمية لمسافة تزيد على 1200 كيلومتر، انطلاقاً من ميناء الفاو الكبير في محافظة البصرة جنوب العراق، وصولاً إلى الحدود التركية شمالاً. ويتضمن المشروع إنشاء شبكة متكاملة من السكك الحديدية والطرق السريعة والمراكز اللوجستية، بما يسمح بنقل البضائع القادمة من آسيا والخليج إلى تركيا، ومنها إلى الأسواق الأوروبية.
وتنظر بغداد إلى المشروع باعتباره فرصة لتحويل العراق من دولة تعتمد بصورة كبيرة على صادرات النفط إلى مركز عبور تجاري وخدماتي بين الشرق والغرب. أما تركيا، فترى فيه امتداداً طبيعياً لشبكات النقل والسكك الحديدية التي تربطها بأوروبا وآسيا، بما يعزز موقعها بوصفها عقدة رئيسية في حركة التجارة الدولية.
وبحسب الموقع الرسمي لميناء الفاو، يرتبط الميناء بطريق التنمية ضمن محور استراتيجي متكامل يتجاوز طوله 1200 كيلومتر، ويهدف إلى تسريع تدفق البضائع بين الخليج وأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية. ومن شأن هذا الربط أن يقلل زمن النقل ويمنح الشركات مساراً إضافياً، خصوصاً في ظل الاضطرابات المتكررة التي تتعرض لها بعض طرق الملاحة التقليدية.
ترحيب بخبرة الشركات التركية
وأشار وزير النقل العراقي إلى أن رئيس الوزراء علي الزيدي أكد خلال اجتماعاته مع الجانب التركي ترحيب العراق بدخول الشركات التركية في تنفيذ مشروعات طريق التنمية. ويأتي هذا الترحيب في ظل الخبرة الواسعة التي تمتلكها الشركات التركية في إنشاء الطرق والجسور والمطارات والأنفاق والسكك الحديدية داخل تركيا وخارجها.
ولا يقتصر التعاون المقترح على طريق التنمية، إذ أبدت بغداد رغبتها في الاستفادة من الشركات التركية في تطوير مطار الموصل وإعادة تأهيله، إلى جانب مشروعات مرتبطة بمطار بغداد الدولي. وتمثل هذه المشروعات جزءاً من خطة أوسع لتحديث قطاع النقل العراقي ورفع قدرته على استيعاب حركة المسافرين والشحن الجوي خلال السنوات المقبلة.
ومن المتوقع أن يشكل دخول الشركات التركية عاملاً مهماً في تسريع التنفيذ، خصوصاً أن قرب تركيا الجغرافي من العراق وتشابك الأسواق وسلاسل الإمداد بين البلدين يمكن أن يقللا تكاليف نقل المعدات والمواد والخبرات الفنية.
كما أن الشركات التركية تتمتع بحضور سابق في السوق العراقية، ولا سيما في قطاعات البناء والطاقة والتجارة، ما يمنحها معرفة بالبيئة الاستثمارية وطبيعة الاحتياجات المحلية. لكن حجم مشاركتها الفعلية سيظل مرتبطاً بنتائج المناقصات الدولية وشروط التمويل والضمانات التي ستقدمها الحكومة العراقية للمستثمرين.
ميناء الفاو قلب المشروع
يشكل ميناء الفاو الكبير نقطة الانطلاق البحرية لطريق التنمية، ولذلك يرتبط نجاح المشروع بدرجة كبيرة بقدرة العراق على استكمال مرافق الميناء وتشغيلها وفق المعايير الدولية. ووفق التصريحات العراقية، يضم المخطط النهائي للميناء 100 رصيف، أُنجز منها خمسة أرصفة، فيما تستعد بغداد لطرح مناقصة دولية لإنشاء الأرصفة الـ95 المتبقية.
ويضم الميناء مشروعات مساندة، بينها محطة للحاويات وطريق يربطه بميناء أم قصر ونفق مغمور أسفل قناة خور الزبير، فضلاً عن قناة ملاحية وكاسر أمواج غربي يبلغ طوله نحو 14.5 كيلومتراً. ويهدف المخطط إلى جعل الفاو مركزاً لوجستياً قادراً على استقبال أحجام كبيرة من الحاويات والبضائع وربطها مباشرة بشبكة النقل البرية والحديدية.
وبحسب المخططات الرسمية، صُممت محطة الحاويات في مرحلتها الحالية بطاقة تصل إلى 3.5 ملايين حاوية سنوياً، بينما يستهدف المخطط الشامل للميناء الوصول إلى قدرات أكبر مع استكمال المراحل اللاحقة. ويُعد ذلك ضرورياً حتى يتمكن الميناء من أداء دوره بوصفه البوابة البحرية الرئيسية لطريق التنمية.
وكان العراق قد أطلق مشروع طريق التنمية عام 2023 بكلفة تقديرية بلغت نحو 17 مليار دولار، في محاولة لتنويع الاقتصاد وإيجاد مصادر دخل جديدة بعيداً عن النفط. وفي أبريل/نيسان 2024، وقع العراق وتركيا وقطر والإمارات مذكرة تفاهم رباعية للتعاون في المشروع، ما منحه بعداً إقليمياً يتجاوز العلاقات الثنائية بين بغداد وأنقرة.
مكاسب اقتصادية للعراق وتركيا
بالنسبة إلى العراق، يمكن أن يوفر المشروع عوائد من رسوم العبور والخدمات اللوجستية والتخزين والنقل، إلى جانب تحفيز إنشاء مناطق صناعية وتجارية على امتداد المسار. كما قد يسهم في خلق فرص عمل وجذب استثمارات إلى المحافظات التي سيمر عبرها، بشرط أن تقترن البنية التحتية بخطط تنمية محلية ومناطق اقتصادية فعلية.
ويمثل المشروع أيضاً محاولة عراقية لتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، التي ما تزال تشكل المورد الأساسي للخزينة العامة. فالدور الذي تطمح إليه بغداد لا يقتصر على مرور القطارات والشاحنات، وإنما يشمل بناء اقتصاد خدمي متكامل حول الموانئ والمخازن والمدن الصناعية ومراكز التوزيع.
أما تركيا، فستستفيد من تدفق إضافي للبضائع عبر أراضيها ومن تعزيز ارتباط موانئ الخليج والأسواق الآسيوية بشبكاتها المؤدية إلى أوروبا. كذلك قد تحصل شركات المقاولات والنقل والخدمات التركية على عقود كبيرة في مراحل التصميم والإنشاء والتشغيل والصيانة.
وأكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أن تركيا تمتلك بنية تحتية وخبرات متقدمة في مجالات الصناعة والنقل والطاقة، مشيراً إلى أن العراق يستطيع الاستفادة من هذه الإمكانات في تنفيذ مشروعاته التنموية. واعتبر أن طريق التنمية يأتي في وقت يشهد فيه العالم إعادة تشكيل لطرق التجارة والنقل، ما يمنح المشروع أهمية تتجاوز حدود البلدين.
تحديات أمام التنفيذ
ورغم الطموحات الكبيرة، يواجه طريق التنمية مجموعة من التحديات، أبرزها تأمين التمويل، وتنسيق الأدوار بين الدول والشركات المشاركة، واستكمال الدراسات الفنية، إضافة إلى حماية المسار وضمان استقرار المناطق التي يمر بها.
كما يحتاج المشروع إلى ربط فعلي وسلس مع شبكة السكك الحديدية التركية والمعابر الحدودية، وإلى نظام جمركي وإداري قادر على تقليل زمن عبور البضائع. ولن يكون إنشاء الطرق والقضبان وحده كافياً من دون إدارة لوجستية حديثة واتفاقات واضحة بشأن الرسوم والتشغيل والصيانة.
وتبرز أيضاً المنافسة مع ممرات تجارية قائمة أو قيد التطوير، ما يعني أن نجاح المشروع لن يعتمد على طول الطريق وحده، بل على سرعة النقل والتكلفة والأمان وكفاءة الموانئ والجمارك والخدمات اللوجستية. لذلك سيكون الانتقال من الإعلان السياسي إلى التنفيذ الميداني المعيار الحقيقي لجدوى المشروع.
وكانت تركيا والعراق قد وقعتا خمس اتفاقيات تعاون بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في خطوة تؤكد رغبة الطرفين في توسيع التعاون الاقتصادي والاستراتيجي. ومع اقتراب استكمال التصاميم، تدخل الشراكة مرحلة أكثر حساسية، إذ ستحدد المناقصات وآليات التمويل وحجم مشاركة الشركات الأجنبية سرعة تحويل طريق التنمية من مشروع على الورق إلى ممر تجاري إقليمي مؤثر.
.webp)