آخر الأخبار
تحميل آخر الأخبار...

قبرص على خط النار... وتركيا ترسم خطوطها الحمراء

الرأي |
سفن حربية في شرق البحر المتوسط قرب جزيرة قبرص وسط تصاعد التوتر بين تركيا وفرنسا.

كتب : وسيم فؤاد الأدهمي |

لم يعد شرق البحر المتوسط ساحة تنافس على حقول الغاز أو خطوط نقل الطاقة فحسب، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر مناطق العالم تشابكاً بين المصالح العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية. وفي هذا المشهد المتغير، تبدو الاتفاقية الدفاعية بين فرنسا وإدارة جنوب قبرص اليونانية أكثر من مجرد تفاهم ثنائي، إذ تعكس تحولاً في طبيعة الصراع الإقليمي، حيث أصبحت القواعد العسكرية والانتشار البحري والتحالفات الأمنية أدوات لإعادة رسم موازين القوى.

القراءة التركية لهذه التطورات تختلف جذرياً عن القراءة الأوروبية. فأنقرة لا تنظر إلى الوجود العسكري الفرنسي في قبرص باعتباره إجراءً دفاعياً محدوداً، وإنما تعتبره جزءاً من مسار استراتيجي بدأ منذ سنوات، يقوم على بناء شبكة من التحالفات تضم اليونان وإدارة جنوب قبرص اليونانية وإسرائيل، ثم انضمت إليها فرنسا بثقلها العسكري والسياسي. ومن وجهة النظر التركية، فإن القاسم المشترك بين هذه التحركات هو محاولة تقليص هامش الحركة التركي في شرق المتوسط وإعادة هندسة البيئة الأمنية بما يخدم مصالح أطراف محددة.

ولا يمكن فهم هذا المشهد من دون العودة إلى التحولات التي شهدتها المنطقة منذ اكتشافات الغاز الكبرى. ففي البداية كان الحديث يدور حول التعاون الاقتصادي واستثمار الثروات البحرية، لكن سرعان ما انتقلت المنافسة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث ارتبطت مشاريع الطاقة بالتحالفات العسكرية، وأصبحت حماية خطوط الإمداد والمنشآت الحيوية مبرراً دائماً لتعزيز الوجود العسكري في البحر المتوسط.

وفي هذا السياق، ترى تركيا أن عدداً من المبادرات الإقليمية لم يكن محايداً في بنيته السياسية. فاستبعاد أنقرة من بعض الترتيبات المتعلقة بالطاقة، ثم توسع التعاون العسكري بين خصومها الإقليميين، عزز لديها قناعة بأن الهدف لم يعد تنظيم استغلال الموارد، بل إنتاج توازنات جديدة تقلص دورها في منطقة تعد امتداداً مباشراً لأمنها القومي.

كما أن باريس لا تتحرك، في نظر كثير من المراقبين، بدافع أمني فقط. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تغيرت أولويات أوروبا بصورة واضحة، وأصبحت مسألة أمن الطاقة جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الأوروبي. ومن هنا، اكتسب شرق المتوسط أهمية مضاعفة، باعتباره أحد الخيارات المطروحة لتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وهو ما منح فرنسا فرصة لتوسيع حضورها العسكري والدبلوماسي والاقتصادي في المنطقة.

ويعزز هذا التوجه الدور المتنامي للشركات الفرنسية العاملة في قطاع الطاقة، والتي أصبحت جزءاً من الحضور الفرنسي الأوسع في شرق المتوسط. فالتداخل بين المصالح الاقتصادية والغطاء العسكري ليس ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية، لكنه أصبح أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، حيث تسعى الدول الكبرى إلى توفير بيئة أمنية تحمي استثماراتها الاستراتيجية، خصوصاً في المناطق التي تشهد تنافساً جيوسياسياً متصاعداً.

في المقابل، تعتمد أنقرة على مزيج من الاعتبارات القانونية والاستراتيجية لتبرير اعتراضها على الاتفاق الفرنسي. فهي تعتبر أن الترتيبات الأمنية الجديدة تمس التوازنات التي أرستها اتفاقيات عام 1960، وترى أن أي تغيير أحادي في بنية الأمن داخل الجزيرة قد ينعكس على مستقبل القضية القبرصية وعلى أمن القبارصة الأتراك، فضلاً عن تأثيره المباشر في التوازن العسكري داخل شرق المتوسط.

لكن الجانب الأهم في الموقف التركي لا يتعلق بالنصوص القانونية وحدها، بل بالتحولات التي شهدتها تركيا نفسها خلال العقدين الماضيين. فقد تطورت الصناعات الدفاعية التركية بصورة لافتة، وأصبحت البلاد تمتلك قدرات متقدمة في مجالات الطائرات المسيّرة والصناعات البحرية وأنظمة الدفاع الجوي، وهو ما منحها هامشاً أوسع لحماية مصالحها الإقليمية. لذلك فإن أنقرة لم تعد تتعامل مع التحولات في شرق المتوسط بمنطق رد الفعل، بل بمنطق الدولة التي ترى نفسها لاعباً رئيسياً في معادلات الأمن الإقليمي.

ومن هنا، فإن أي محاولة لإقامة منظومة أمنية تتجاهل تركيا تبدو، من وجهة نظرها، مشروعاً يفتقر إلى الواقعية السياسية. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها بالاتفاقيات، كما أن التوازنات العسكرية لا تستقر عبر استبعاد إحدى أكبر القوى البحرية في المنطقة. وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن المشاريع التي تقوم على الإقصاء غالباً ما تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب بدلاً من إنتاج حلول دائمة.

ولا يبدو أن أنقرة ستكتفي بالاعتراض الدبلوماسي. فمن المتوقع أن تواصل تعزيز حضورها العسكري في جمهورية شمال قبرص التركية، وتكثف مناوراتها المشتركة، وتستخدم أدواتها السياسية والقانونية داخل المؤسسات الدولية وحلف شمال الأطلسي للتأكيد على رفضها أي ترتيبات ترى أنها تمس مصالحها الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، ستسعى إلى توظيف قوتها الدفاعية المتنامية باعتبارها عنصر ردع يمنع فرض وقائع جديدة على الأرض.

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق برد الفعل التركي، بل بمستقبل شرق المتوسط نفسه. فإذا استمرت المنطقة في التحول إلى ساحة لتراكم القواعد العسكرية والتحالفات المتنافسة، فإن احتمالات الاحتكاك ستزداد، حتى وإن لم تصل إلى مواجهة مباشرة. فكل طرف سيعتبر تعزيز قدراته دفاعاً عن مصالحه، بينما ينظر إليه الطرف الآخر باعتباره تهديداً يستوجب الرد، وهو ما يخلق حلقة متواصلة من التصعيد السياسي والعسكري.

في تقديري، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن في الاتفاق الفرنسي بحد ذاته، بل في غياب رؤية أمنية إقليمية شاملة تراعي مصالح جميع الأطراف. فمحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ من خلال تحالفات جزئية قد تحقق مكاسب ظرفية، لكنها لا تؤسس لاستقرار طويل الأمد. وتجارب المنطقة تؤكد أن الأمن المستدام لا يُبنى على سياسة المحاور، بل على الاعتراف بالحقائق الجيوسياسية القائمة.

ولهذا تبدو الرسالة التركية واضحة: لا يمكن بناء معادلة جديدة في شرق المتوسط من دون أخذ المصالح التركية في الحسبان. فتركيا، بحكم موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، وحضورها السياسي، أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن والطاقة في المنطقة. وأي مشروع يتعامل مع هذه الحقيقة باعتبارها أمراً يمكن تجاوزه، قد يجد نفسه أمام واقع يثبت أن الجغرافيا كانت، وما زالت، العامل الأكثر تأثيراً في رسم خرائط النفوذ.


العودة إلى الصفحة الرئيسية

منصة تركيا الاخبارية | موقع إخباري عربي مستقل يُعنى بمتابعة الشأن التركي بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ويهدف إلى نقل الأخبار والتطورات من تركيا إلى القارئ العربي بلغة واضحة ومهنية.

يتم التشغيل بواسطة Blogger.