ليست المشكلة في أي محاولة انقلاب أنها تستهدف حكومة بعينها، فالحكومات تتغير، وقد تصيب وقد تخطئ. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يُطرح السؤال : من يملك حق تقرير مستقبل الدولة؟ فإذا انتقل هذا الحق من المؤسسات الدستورية إلى القوة المسلحة، فإن القضية لا تعود مرتبطة باسم رئيس أو حزب أو حكومة، بل تصبح مرتبطة بمستقبل الدولة نفسها.
لقد أعادت أحداث 15 تموز في تركيا هذا السؤال إلى الواجهة. وبغض النظر عن المواقف السياسية من الحكومة التركية آنذاك، فإن ما جرى أعاد التذكير بمبدأ تقوم عليه الدولة الحديثة، وهو أن تداول السلطة لا يكتسب شرعيته إلا عبر الآليات التي ارتضاها المجتمع في دستوره وقوانينه. وقد يكون الاختلاف السياسي حاداً، وقد تبلغ المعارضة أقصى درجاتها، لكن بقاء المنافسة داخل الإطار الدستوري هو ما يحفظ للدولة تماسكها ويجنبها التحول إلى ساحة صراع بين مراكز القوة.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من التجارب السياسية المعاصرة هو أن المؤسسات الدستورية ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي الضمانة التي تحول دون أن يصبح السلاح حكماً في النزاعات السياسية. فالانتخابات، والقضاء، والبرلمان، وحرية العمل السياسي، ليست عوائق أمام التغيير، بل هي الوسائل التي تجعل التغيير ممكناً من دون أن تدفع الدولة ثمن انهيار الاستقرار أو فقدان الشرعية.
قد يعتقد بعض الطامحين إلى السلطة أن القوة تختصر الطريق، وأن فرض الأمر الواقع يحقق ما تعجز عنه السياسة. غير أن التاريخ يبين أن الشرعية التي لا تستند إلى إرادة المجتمع تبقى شرعية هشة، مهما امتلكت من أدوات القوة. أما الإرادة الشعبية، فإنها قد تتعرض للاختبار، لكنها تظل المصدر الأكثر استقراراً لاستمرار الدولة وتجددها.
ومن هنا، فإن النقاش حول 15 تموز لا ينبغي أن يقتصر على تقييم حدث سياسي مضى، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل المجتمعات: كيف تتغير السلطة؟ وهل يكون الإصلاح أكثر رسوخاً عندما ينبع من المؤسسات، أم عندما يُفرض من خارجها؟ إن الإجابة التي قدمتها تجارب كثيرة تؤكد أن الطريق القويم إلى التغيير يمر عبر المؤسسات الدستورية، وأن الاحتكام إلى القانون يظل الضمانة الوحيدة لاستمرار الدولة وحماية الاستقرار. وقد ينجح الطامحون إلى السلطة في فرض وقائع مؤقتة، لكن إرادة الشعب، عندما تُعبَّر عنها بحرية ووفق الأطر الدستورية، تبقى أبقى من طموحات الأفراد، وأقوى من رهانات القوة.
