تشهد المعارضة التركية واحدة من أكبر موجات إعادة التموضع السياسي خلال السنوات الأخيرة، بعد إعلان استقالة أكثر من 200 رئيس بلدية من حزب الشعب الجمهوري، تمهيداً لانتقالهم إلى «الحزب الجديد» الذي أسسه أوزغور أوزيل وعدد كبير من النواب المنشقين عن الحزب.
وأعلن نائب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الجديد غوكهان غونايدن أن أكثر من 200 رئيس بلدية قدموا استقالاتهم من حزب الشعب الجمهوري، مؤكداً أن انضمامهم الرسمي إلى التشكيل الوليد يُنتظر أن يتم خلال الفترة القريبة المقبلة.
أكثر من 200 رئيس بلدية يطلبون الانضمام
قال غونايدن، خلال مؤتمر صحفي في البرلمان التركي، إن رؤساء البلديات المستقيلين يرغبون في الانتقال سريعاً إلى الحزب الجديد، إلا أن قيادة الحزب طلبت منهم التريث إلى حين استكمال الترتيبات التنظيمية والقانونية اللازمة.
وبذلك، فإن الرقم المعلن يتعلق برؤساء بلديات استقالوا أو تقدموا بطلبات للانضمام، ولا يعني بالضرورة أن أكثر من 200 رئيس بلدية أصبحوا أعضاء رسميين في الحزب الجديد حتى الآن.
وكانت تقارير تركية سابقة قد تحدثت عن وجود نحو 200 رئيس بلدية منتمين إلى حزب الشعب الجمهوري يرغبون في الانتقال إلى الحزب الوليد، بينما أعلنت أسماء محددة بصورة منفردة استقالتها وتوجهها للانضمام إليه.
كيف تأسس «الحزب الجديد»؟
تأتي هذه التطورات بعد أن أعلن أوزغور أوزيل، الذي أُبعد عن رئاسة حزب الشعب الجمهوري بقرار قضائي، استقالته من الحزب إلى جانب 90 نائباً، وتسجيل حزب سياسي جديد باسم «يني بارتي»، أي «الحزب الجديد»، لدى وزارة الداخلية التركية.
وجاء الانشقاق عقب حكم قضائي أبطل نتائج مؤتمر حزب الشعب الجمهوري الذي عُقد عام 2023، وأعاد الرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو إلى قيادة الحزب، وهو القرار الذي رفضه أوزيل وأنصاره واعتبروه تدخلاً في الإرادة الداخلية للحزب.
ومع انتقال أوزيل والنواب التسعين إلى الحزب الجديد، أصبح التشكيل الوليد يملك كتلة كبيرة في البرلمان، ووُضع مباشرة في موقع متقدم ضمن أحزاب المعارضة، فيما تراجع عدد مقاعد حزب الشعب الجمهوري بصورة حادة.
معركة البلديات تنتقل إلى الواجهة
تمثل البلديات مركز الثقل الأهم في الأزمة الجديدة، لأن حزب الشعب الجمهوري حقق تقدماً واسعاً في الانتخابات المحلية التي جرت عام 2024، ونجح في الاحتفاظ بإسطنبول وأنقرة والفوز بعدد من المدن والمحافظات المهمة.
ولذلك، فإن انتقال عشرات أو مئات رؤساء البلديات إلى الحزب الجديد لن يكون مجرد تغيير في العضوية الحزبية، بل قد ينقل جزءاً كبيراً من النفوذ المحلي والشبكات التنظيمية والموارد السياسية من حزب الشعب الجمهوري إلى التشكيل الذي يقوده أوزيل.
كما سيؤثر انتقال رؤساء البلديات في تشكيل المجالس المحلية وتوازناتها، وفي قدرة كل حزب على الوصول إلى الناخبين وتنظيم الحملات الانتخابية، خصوصاً في المناطق التي حققت فيها المعارضة نتائج متقدمة خلال الانتخابات البلدية الأخيرة.
أرقام شعبية يعلنها الحزب
ونسب غونايدن إلى استطلاعات وبيانات داخلية القول إن نسبة التعرف إلى الحزب الجديد بلغت 87% خلال ثلاثة أيام فقط من تأسيسه، وإن قدرته التصويتية قد تتجاوز 30%.
لكن هذه الأرقام تبقى، في الوقت الراهن، تقديرات يعلنها مسؤولو الحزب في سياق تقديم تشكيلهم السياسي الجديد، ولا يمكن التعامل معها بوصفها نتائج انتخابية محسومة قبل صدور استطلاعات مستقلة ومتعددة تؤكد الاتجاه نفسه.
ويستفيد الحزب الجديد من شهرة أوزيل والنواب ورؤساء البلديات المتوقع انتقالهم إليه، إضافة إلى استمرار دعمه لرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو بوصفه مرشحاً محتملاً للرئاسة، رغم القضايا والإجراءات القضائية التي يواجهها.
هل ينتهي حزب الشعب الجمهوري؟
على الرغم من حجم الانشقاقات، لا يعني تأسيس الحزب الجديد اختفاء حزب الشعب الجمهوري، الذي يُعد أقدم الأحزاب السياسية في تركيا ويتمتع بقاعدة اجتماعية وتنظيمية تاريخية.
لكن الحزب يواجه الآن اختباراً بالغ الصعوبة؛ إذ يتعين على القيادة المعادة برئاسة كمال كليتشدار أوغلو المحافظة على النواب ورؤساء البلديات والقواعد المحلية التي لم تغادر، وإقناع الناخبين بأن الحزب ما زال قادراً على قيادة المعارضة.
في المقابل، سيحاول أوزيل تحويل الحزب الجديد من كتلة منشقين إلى مؤسسة سياسية مستقرة تمتلك فروعاً محلية وبرنامجاً واضحاً ومرشحين قادرين على المنافسة.
خريطة جديدة للمعارضة التركية
تؤكد موجة انتقال رؤساء البلديات أن الخلاف داخل حزب الشعب الجمهوري لم يعد نزاعاً محدوداً على القيادة، بل تحول إلى انقسام سياسي وتنظيمي واسع قد يعيد رسم خريطة المعارضة التركية.
وسيكون العدد النهائي لرؤساء البلديات الذين ينضمون رسمياً إلى الحزب الجديد، إلى جانب موقف بلديتي إسطنبول وأنقرة، من أبرز المؤشرات التي ستحدد حجم القوة الحقيقية للتشكيل الجديد وقدرته على منافسة حزب العدالة والتنمية في الاستحقاقات المقبلة.
