خاص - منصة تركيا الاخبارية
تكشف الوثائق التي تُرفع عنها السرية تباعاً في الولايات المتحدة، سواء تلك الصادرة عن وزارة الخارجية أو مجلس الأمن القومي أو وكالة الاستخبارات المركزية، جانباً مهماً من طريقة تفكير صانع القرار الأمريكي خلال العقود الماضية. ورغم اختلاف الإدارات وتبدل الرؤساء، فإن قراءة هذه الوثائق تبرز حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن السياسة الخارجية الأمريكية تأسست، في معظم مراحلها، على مبدأ حماية المصالح الاستراتيجية قبل أي اعتبارات أخرى، حتى عندما كانت تُقدَّم للرأي العام تحت عناوين الديمقراطية وحقوق الإنسان أو الدفاع عن الاستقرار الدولي.
ولا يعني ذلك أن كل ما ترفعه الولايات المتحدة من شعارات يفتقر إلى أي مضمون، لكن التجربة التاريخية تظهر أن هذه المبادئ كانت غالباً تخضع لاختبار المصالح. فإذا تعارضت القيم المعلنة مع الأولويات الجيوسياسية أو الاقتصادية، كانت الكفة تميل في كثير من الأحيان لصالح المصالح، وهو ما تؤكده وثائق تاريخية أصبحت متاحة للباحثين بعد مرور سنوات على صدورها.
من بين أكثر الوثائق تداولاً تلك المرتبطة بجورج كينان، أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد عكست مذكراته رؤية تقوم على أن الولايات المتحدة، باعتبارها القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر آنذاك، مطالبة بالحفاظ على موقعها العالمي، حتى لو تطلب ذلك الابتعاد عن الخطاب المثالي والاعتماد على ميزان القوة. هذه الرؤية لم تكن مجرد اجتهاد فكري، بل تحولت إلى جزء من المدرسة الواقعية التي أثرت في رسم السياسات الأمريكية لعقود طويلة.
ومع مرور الزمن، ظهرت وثائق أخرى تتعلق بتدخلات أمريكية في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا والشرق الأوسط، كشفت عن دعم انقلابات أو مساندة أنظمة حليفة أو ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية للحفاظ على النفوذ الأمريكي. ولذلك، فإن كثيراً من الباحثين في العلاقات الدولية ينظرون إلى تلك الوثائق باعتبارها دليلاً على أن واشنطن كانت ترى العالم من منظور التوازنات الاستراتيجية أكثر مما كانت تراه من زاوية المبادئ الأخلاقية.
وفي الشرق الأوسط، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحاً. فمنذ عقود، تعلن الإدارات الأمريكية المتعاقبة دعمها لحل الدولتين وحق الفلسطينيين في العيش بأمن وسلام، لكنها في الوقت نفسه حافظت على شراكة استراتيجية وثيقة مع إسرائيل، وقدمت لها دعماً سياسياً وعسكرياً واسعاً في مختلف المحافل الدولية. وقد أدى هذا التناقض، في نظر كثير من المراقبين، إلى تراجع الثقة العربية بقدرة الولايات المتحدة على لعب دور الوسيط المحايد في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
كما أن استخدام الولايات المتحدة المتكرر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن بشأن مشاريع قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية عزز هذا الانطباع، إذ يرى منتقدو السياسة الأمريكية أن المواقف العملية لم تكن دائماً منسجمة مع الخطاب الداعي إلى احترام القانون الدولي أو حماية المدنيين.
غير أن اختزال السياسة الأمريكية في بعد واحد قد يقود أيضاً إلى قراءة غير مكتملة. فالولايات المتحدة ليست كتلة سياسية واحدة، بل تضم مؤسسات ومراكز أبحاث وجامعات وإعلاماً وقضاءً ومنظمات مجتمع مدني، وكثير من هذه الجهات وجه انتقادات حادة للسياسات الخارجية الأمريكية، وطالب بمراجعتها. كما أن الوثائق التي يجري رفع السرية عنها هي في حد ذاتها تعبير عن وجود منظومة قانونية تسمح، بعد مرور فترة زمنية، بكشف جانب من آليات صناعة القرار، وهو أمر لا يتوافر بالقدر نفسه في كثير من الدول.
لكن ذلك لا يغيّر من حقيقة أساسية في علم السياسة، وهي أن الدول الكبرى، أياً كانت هويتها، تتحرك غالباً وفق حسابات القوة والمصلحة قبل أي اعتبارات أخرى. فالواقعية السياسية، التي تشكل إحدى أبرز مدارس العلاقات الدولية، تنطلق من أن الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والنفوذ الجيوسياسي هي المحرك الأول لسلوك الدول، وليس المبادئ المجردة.
من هنا، فإن الدرس الأهم بالنسبة للدول العربية لا يتمثل فقط في نقد السياسات الأمريكية أو استحضار الوثائق التاريخية، بل في بناء رؤية مستقلة تنطلق من المصالح العربية نفسها. فالرهان الكامل على أي قوة دولية، مهما كانت، أثبت عبر العقود أنه خيار محفوف بالمخاطر، لأن أولويات القوى الكبرى تتغير بتغير مصالحها، بينما تبقى مصالح الدول الصغيرة مرهونة بقدرتها على امتلاك عناصر القوة الذاتية.
وفي عالم يشهد تحولات متسارعة نحو تعددية قطبية مع صعود قوى مثل الصين والهند وتنامي أدوار إقليمية جديدة، تبدو الحاجة ملحة إلى سياسة عربية أكثر استقلالية، تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد، مع الاستثمار في التنمية والاقتصاد والبحث العلمي بوصفها ركائز حقيقية للاستقلال السياسي.
إن قراءة الوثائق التاريخية لا ينبغي أن تكون مناسبة لإحياء الخصومات أو ترسيخ الأحكام المسبقة، بل فرصة لفهم كيفية تفكير القوى الكبرى عند رسم سياساتها. فالدبلوماسية الناجحة لا تُبنى على النوايا، وإنما على قراءة دقيقة للمصالح، وإدراك أن العلاقات الدولية ليست ساحة للأخلاق المجردة بقدر ما هي ساحة لتوازنات القوة. ومن هنا، فإن أي دولة تسعى إلى حماية مصالحها لا يكفيها أن تعرف ما تقوله القوى الكبرى، بل يجب أن تدرس أيضاً ما تكشفه وثائقها، وما تؤكده ممارساتها على أرض الواقع، لأن الفجوة بين الخطاب والسياسة غالباً ما تكون أبلغ من أي تصريح رسمي.
