كتب : وسيم فؤاد الأدهمي|
تبدو منطقة الشرق الأوسط، مرة أخرى، أمام لحظة سياسية تستحق التوقف عندها. فبعد أكثر من أربعة عقود من القطيعة والتوتر والعقوبات والمواجهات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد الحديث عن تفاهمات قد تمهد لمرحلة مختلفة. وبين من يراها بداية سلام تاريخي، ومن يعدّها مجرد استراحة مؤقتة في صراع طويل، تبقى الحقيقة أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بحسابات المصالح.
منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تحولت الخصومة بين واشنطن وطهران إلى أحد ثوابت السياسة الإقليمية. تغير الرؤساء في البلدين، وتعاقبت الأزمات، واندلعت حروب وصراعات في أكثر من ساحة، لكن العداء بقي قائماً، حتى بدا لكثيرين وكأنه جزء دائم من المشهد السياسي في المنطقة. إلا أن التاريخ يعلمنا أن الثوابت في السياسة قد تتغير عندما تتغير موازين القوى وأولويات الدول.
الولايات المتحدة اليوم ليست الدولة التي كانت قبل عشرين عاماً. اهتمامها الاستراتيجي يتجه بصورة متزايدة نحو آسيا، حيث تمثل الصين التحدي الأكبر لمصالحها العالمية، بينما لم يعد الشرق الأوسط يحتل الموقع نفسه في سلم الأولويات. ومن هذا المنطلق، قد ترى واشنطن أن تخفيف التوتر مع إيران يحقق لها مكاسب سياسية وأمنية، ويمنحها مساحة أوسع للتركيز على ملفات أكثر أهمية بالنسبة إليها.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران تواجه بدورها تحديات اقتصادية كبيرة. فسنوات العقوبات الطويلة تركت آثاراً واضحة على الاقتصاد والاستثمار ومستوى المعيشة، رغم نجاح طهران في الحفاظ على مؤسسات الدولة وتطوير عدد من قدراتها الصناعية والعسكرية. لكن الصمود في مواجهة العقوبات لا يعني بالضرورة أن استمرارها يخدم المصلحة الوطنية، خصوصاً إذا توفرت فرصة لفتح الأسواق واستقطاب الاستثمارات وتحسين الأوضاع الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن اختزال الخلاف بين البلدين في الملف النووي سيكون تبسيطاً مفرطاً. فالقضايا العالقة تمتد إلى برامج الصواريخ، والنفوذ الإقليمي، والعقوبات الاقتصادية، وأمن الخليج، وملفات العراق وسوريا ولبنان واليمن. ولهذا، فإن أي اتفاق مستقبلي، مهما كانت أهميته، لن يكون قادراً وحده على إزالة تراكمات امتدت لعقود، بل قد يكون مجرد بداية لمسار طويل من إعادة بناء الثقة.
كما أن أي تقارب محتمل لن يمر من دون تأثيرات إقليمية. فدول الخليج، على سبيل المثال، تنظر إلى الاستقرار باعتباره ضرورة لحماية الاقتصاد وطرق الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تراقب بحذر أي تطور قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة. أما إسرائيل، فمن المرجح أن تستمر في تقييم أي تفاهم مع إيران من زاوية تأثيره في أمنها، وليس فقط من زاوية البرنامج النووي.
وفي المقابل، يبقى السؤال مطروحاً داخل إيران أيضاً: هل يعني الانفتاح على الغرب تغييراً في السياسة الخارجية، أم أنه يقتصر على معالجة الأزمة الاقتصادية؟ فالتجارب السابقة تشير إلى أن الاتفاقات السياسية لا تؤدي بالضرورة إلى تبدل سريع في الرؤى الاستراتيجية، خاصة عندما ترتبط بقضايا تعتبرها الدول جزءاً من أمنها القومي.
ثمة جانب آخر لا يقل أهمية، وهو أن إنهاء الصراعات لا يعتمد فقط على إرادة الحكومات، بل أيضاً على قدرتها على إقناع مؤسساتها الداخلية والرأي العام بجدوى التغيير. ففي الولايات المتحدة، يبقى للكونغرس دور مؤثر في ملفات العقوبات والسياسة الخارجية، بينما تخضع القرارات الكبرى في إيران بدورها لتوازنات سياسية ومؤسساتية معقدة. وهذا يعني أن الطريق نحو أي تفاهم شامل لن يكون سهلاً، حتى لو توافرت الإرادة السياسية لدى القيادتين.
لذلك، ربما يكون من المبكر الحديث عن نهاية أربعة عقود من العداء الأميركي الإيراني. الأقرب إلى الواقع أننا قد نكون أمام محاولة لإدارة الخلاف بطريقة مختلفة، لا لإنهائه بالكامل. فالسياسة الدولية لا تعرف النهايات المطلقة، بل تعرف مراحل تتغير فيها أدوات الصراع وأساليبه، بينما تبقى المصالح هي العامل الحاسم في تحديد اتجاه العلاقات.
ويبقى الأمل أن تقود أي تفاهمات مستقبلية إلى تقليل احتمالات المواجهة العسكرية، وإتاحة مساحة أكبر للحلول السياسية، لأن شعوب المنطقة كانت، وما زالت، الخاسر الأكبر من استمرار الأزمات. أما ما إذا كان الشرق الأوسط مقبلاً على مرحلة أكثر استقراراً، أم على هدنة تسبق جولة جديدة من التوتر، فذلك سؤال لن تجيب عنه البيانات الدبلوماسية وحدها، بل ستجيب عنه الوقائع التي ستفرض نفسها على الأرض خلال السنوات المقبلة.
