لم يعد الحديث عن انسحاب المنتخبات الأوروبية من بطولات كأس العالم مجرد احتمال بعيد، بعدما وافقت الاتحادات الأوروبية لكرة القدم على مقاطعة مسابقات الاتحاد الدولي «فيفا»، احتجاجاً على خطته لبيع حصة من الحقوق التجارية لبطولاته إلى مستثمرين من القطاع الخاص.
ويضع هذا القرار كرة القدم العالمية أمام أزمة غير مسبوقة، إذ إن غياب أوروبا لن يؤثر فقط في قيمة كأس العالم ومستواه الفني، بل قد يعيد رسم خريطة المنافسة بالكامل، ويفتح الطريق أمام منتخبات عربية وآسيوية وإفريقية للوصول إلى أدوار متقدمة لم تكن متاحة لها بسهولة في السابق.
لماذا قررت أوروبا المقاطعة؟
اتُخذ قرار المقاطعة خلال اجتماع افتراضي شاركت فيه الاتحادات الـ55 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا».
وجاء الموقف الأوروبي رداً على خطة أعلنها «فيفا» لإنشاء شركة تجارية جديدة تحمل اسم «فيفا فوروورد إنتربرايزس»، تتولى إدارة العمليات التجارية لأكبر مسابقاته، وفي مقدمتها كأس العالم للرجال والسيدات وكأس العالم للأندية.
وتتضمن الخطة بيع ما يصل إلى 21 في المئة من أسهم الشركة الجديدة إلى مستثمرين من القطاع الخاص، بهدف جمع نحو 4.2 مليار دولار، على أن يحتفظ «فيفا» بحصة الأغلبية وبإدارة شؤون كرة القدم.
ولا تزال الخطة بحاجة إلى موافقة الاتحادات الـ211 الأعضاء في الاتحاد الدولي، إضافة إلى مجلس «فيفا»، لكنها أثارت اعتراضاً واسعاً بسبب طريقة طرحها والمخاوف من تأثير المستثمرين في مستقبل البطولات الكبرى.
وأكد «يويفا» أن المشروع يتجاوز الخط الذي لا ينبغي للمؤسسات المسؤولة عن إدارة كرة القدم أن تتخطاه، في إشارة إلى الخشية من انتقال جزء من القرار الرياضي إلى جهات تجارية تسعى أساساً إلى تحقيق الأرباح.
اعتراضات من آسيا وأميركا الشمالية
لم تقتصر الانتقادات على أوروبا، إذ أعلن اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف» أنه لم يُبلّغ بالخطة إلا من خلال وسائل الإعلام وبيان صحافي، معرباً عن قلقه من غياب الإجراءات التنظيمية والتشاور المسبق.
كما عبّر الاتحاد الآسيوي لكرة القدم عن خيبة أمله من طرح مسألة بهذه الأهمية في المجال العام قبل مناقشتها داخل القنوات الرسمية للاتحادات القارية.
أما الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، فأكد مشاركته في المشاورات، ودعا الاتحادات الأعضاء إلى دراسة المقترحات قبل اتخاذ موقف نهائي.
وتكشف هذه المواقف أن الأزمة لا تتعلق فقط ببيع حصة تجارية، بل أيضاً بطريقة إدارة «فيفا» للملف ومدى مشاركة الاتحادات القارية في القرارات المصيرية.
ماذا يقول إنفانتينو؟
دافع رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو عن المشروع، معتبراً أن كرة القدم أصبحت محركاً اقتصادياً واجتماعياً عالمياً، وأن تطوير مواردها التجارية ضروري لتمويل اللعبة في مختلف الدول.
ويرى إنفانتينو أن بيع حصة أقلية لن يمنح المستثمرين سلطة على القرارات الرياضية، لأن الاتحاد الدولي سيحتفظ بالأغلبية وبإدارة كرة القدم والبطولات.
كما أكد أن كأس العالم وبقية المسابقات الكبرى ستبقى تحت سيطرة «فيفا»، وأن الهدف من المشروع هو زيادة الإيرادات وتوزيعها على الاتحادات الوطنية، خصوصاً الاتحادات الأقل دخلاً.
لكن المعارضين يخشون أن يكون بيع الحصة بداية لتدخل رأس المال الخاص في مواعيد البطولات وأنظمتها وحقوق البث والتسويق، ما قد يجعل القرارات الرياضية مرتبطة تدريجياً بالعوائد المالية.
كيف سيتغير كأس العالم من دون أوروبا؟
يمثل انسحاب أوروبا ضربة كبيرة لأي نسخة من كأس العالم، لأن القارة تشارك عادة بعدد كبير من المنتخبات وتضم أبرز المرشحين للقب.
وقد حققت المنتخبات الأوروبية 13 لقباً من أصل 23 نسخة، ما يعني أن أكثر من نصف بطولات كأس العالم ذهبت إلى القارة الأوروبية.
وفي حال انسحاب المنتخبات الأوروبية المشاركة، قد يجد «فيفا» نفسه مضطراً إلى استدعاء منتخبات بديلة من قارات أخرى أو إعادة توزيع المقاعد وفق نتائج التصفيات أو التصنيف الدولي.
ومن بين المنتخبات التي قد تستفيد بوليفيا وفنزويلا وبيرو، إلى جانب جامايكا وهندوراس وسورينام، والغابون وبوركينا فاسو.
وعلى الصعيد الآسيوي، قد تصبح منتخبات الإمارات وعُمان وإندونيسيا من المرشحين للحصول على مقاعد إضافية، فضلاً عن إمكان مشاركة منتخب من أوقيانوسيا مثل جزر سليمان.
إلا أن استبدال المنتخبات الأوروبية لن يكون سهلاً، لأن كل اتحاد قاري سيطالب بحصته من المقاعد، وقد تنشأ نزاعات قانونية ورياضية حول طريقة اختيار البدلاء.
فرصة تاريخية أمام المنتخبات العربية
ستكون المنتخبات العربية من أبرز المستفيدين فنياً من غياب أوروبا، لأن عدداً كبيراً من العقبات الكبرى سيختفي من دور المجموعات والأدوار الإقصائية.
فمنتخبات مثل فرنسا وإسبانيا وإنجلترا وألمانيا والبرتغال وهولندا تمثل عادة منافسين يصعب تجاوزهم، وغيابها سيمنح المنتخبات العربية فرصة أكبر للتأهل وتصدر مجموعاتها.
وقد يتمكن الأردن والجزائر من بلوغ الدور الثاني في ظل تراجع قوة بعض المجموعات، بينما ترتفع حظوظ السعودية في الوصول إلى دور الـ32 أو ما بعده إذا غابت إسبانيا عن مجموعتها.
أما العراق، فقد يستفيد بصورة كبيرة من غياب فرنسا والنرويج، ما يجعل طريقه إلى الدور الثاني أقل تعقيداً.
لكن هذه الحسابات تظل افتراضية، لأن تأثير الانسحاب يتوقف على قرار «فيفا»: هل يستبدل المنتخبات الأوروبية؟ أم يلغي مبارياتها؟ أم يعيد إجراء القرعة بالكامل؟
المغرب المستفيد العربي الأكبر
قد يكون المنتخب المغربي أكثر المنتخبات العربية استفادة من المقاطعة الأوروبية، نظراً إلى خبرته الكبيرة وامتلاكه لاعبين ينشطون في أقوى الدوريات.
ومن دون المنتخبات الأوروبية، يمكن أن يصبح طريق المغرب إلى ربع النهائي أو نصف النهائي أكثر سهولة، قبل الاصطدام بأحد كبار أميركا الجنوبية مثل الأرجنتين أو البرازيل.
كما قد تستفيد مصر من تغير مسار الأدوار الإقصائية، إذ يمكن أن تتجنب مواجهة مبكرة أمام منتخب مرشح للقب، ما يمنحها فرصة لمواصلة المشوار إلى ما بعد دور الـ16.
غير أن غياب أوروبا لا يعني أن البطولة ستصبح سهلة، لأن منتخبات أميركا الجنوبية وإفريقيا وآسيا ستسعى بدورها إلى استغلال الفرصة التاريخية.
ماذا عن ميسي ومبابي؟
قد تمتد آثار المقاطعة إلى سباق الأرقام الفردية.
فغياب فرنسا سيحرم كيليان مبابي من فرصة زيادة رصيده التهديفي في كأس العالم وملاحقة كبار الهدافين، بينما قد يمنح ليونيل ميسي فرصة للحفاظ على تفوقه في بعض الأرقام من دون منافسة فرنسية مباشرة.
كما قد تذهب جائزة أفضل لاعب في البطولة إلى اسم غير إسباني أو فرنسي أو إنجليزي، مع غياب لاعبين كبار مثل رودري ومبابي وجود بيلينغهام.
لكن الجوائز الفردية ستفقد جزءاً من قيمتها التنافسية أيضاً، لأن عدداً كبيراً من أفضل لاعبي العالم لن يكون موجوداً.
هل يصبح المونديال أقل قيمة؟
على الرغم من استفادة العرب فنياً، فإن انسحاب أوروبا قد يضعف كأس العالم تجارياً وإعلامياً.
فالقارة الأوروبية تمتلك أكبر أسواق البث والرعاية، وتضم أشهر المنتخبات والنجوم، ما يعني أن المقاطعة قد تؤدي إلى انخفاض المشاهدة العالمية وخسائر في الإعلانات والتذاكر وحقوق النقل.
وقد يجد البطل نفسه أمام جدل حول قيمة اللقب إذا تحقق في غياب معظم القوى الأوروبية، حتى لو بقيت البطولة رسمية ومعترفاً بها.
كما أن مونديال 2030 سيقام في إسبانيا والبرتغال والمغرب، ما يجعل فكرة مقاطعة أوروبا لذلك الحدث أكثر تعقيداً، لأن دولتين أوروبيتين ستستضيفان البطولة إلى جانب المغرب.
العرب بين الفرصة والخسارة
من الناحية الرياضية، قد تشكل المقاطعة الأوروبية فرصة نادرة للمنتخبات العربية لتحقيق أفضل نتائجها في تاريخ كأس العالم.
لكن من الناحية التجارية والتنظيمية، فإن بطولة بلا أوروبا قد تفقد كثيراً من بريقها وقيمتها العالمية.
ولهذا تبدو الأزمة أكبر من سؤال: من سيصل إلى الدور الثاني أو نصف النهائي؟ فالمعركة الحقيقية تدور حول مستقبل إدارة كرة القدم، وحدود تدخل رأس المال الخاص، ومن يملك القرار في البطولة الأكثر مشاهدة في العالم.
وفي حال لم يتراجع «فيفا» أو «يويفا» عن موقفيهما، فقد يصبح كأس العالم المقبل ساحة مواجهة بين سلطة الاتحاد الدولي وقوة الاتحادات الأوروبية، بينما تنتظر المنتخبات العربية نتيجة الصراع، على أمل أن تتحول الأزمة إلى فرصة تاريخية داخل الملعب.
.webp)