كتب: وسيم فؤاد الأدهمي |
في السياسة الدولية ثمة ظاهرة تتكرر كثيراً؛ أن تصل الحقيقة إلى العواصم الكبرى متأخرة. يحدث ذلك في الحروب، ويحدث في الأزمات الإنسانية، ويحدث أيضاً في القضايا التي تبقى لعقود رهينة الحسابات والمصالح قبل أن تتحول فجأة إلى "قناعة أخلاقية" يتسابق الجميع لإعلانها.
القضية الفلسطينية واحدة من أبرز الأمثلة على هذا التأخر المزمن. فالعالم لم يكتشف اليوم فقط أن الفلسطينيين شعب يستحق الحياة، ولم يعلم بالأمس أن لهم حقاً في إقامة دولتهم، كما أن صور الدمار والقتل والنزوح ليست جديدة على الشاشات الدولية. الجديد فقط أن كلفة الصمت أصبحت أعلى من كلفة الكلام.
على مدى سنوات طويلة كانت الحكومات الغربية تتعامل مع الملف الفلسطيني بمنطق إدارة الأزمة لا حلها. كان المطلوب إبقاء الوضع تحت السيطرة، لا معالجة جذوره. ولذلك بقيت المبادرات تتكرر، والمؤتمرات تُعقد، والبيانات تصدر، فيما كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مختلف تماماً.
لكن العالم يشهد اليوم تحولاً لافتاً. ليس لأن موازين القوى تغيرت بصورة جذرية، بل لأن الرأي العام العالمي لم يعد كما كان. فالأجيال الجديدة في أوروبا وأمريكا تنظر إلى الصراعات بمنظار مختلف عن ذلك الذي حكم السياسة الغربية لعقود. وهي أكثر ميلاً إلى مساءلة الحكومات حول مواقفها من حقوق الإنسان والقانون الدولي والعدالة.
هذا التحول لا يعني أن الطريق أصبح معبداً أمام الفلسطينيين، ولا أن الاعترافات الدولية ستقود تلقائياً إلى قيام الدولة المنشودة. فالسياسة لا تُقاس بالنوايا بل بالنتائج. غير أن ما يحدث اليوم يحمل دلالة مهمة: الرواية التي احتكرت المشهد الدولي لعقود لم تعد وحدها في الساحة، وأصبح من الصعب تجاهل صوت ملايين البشر الذين يرون القضية الفلسطينية من زاوية الحقوق لا من زاوية التوازنات فقط.
ربما لا يكون الحدث الأهم هو اعتراف دولة جديدة هنا أو هناك، بل انكشاف حقيقة أكبر: أن الزمن الذي كان يسمح بتجاهل قضية شعب كامل بدأ يتراجع تدريجياً. والتاريخ يعلمنا أن الأفكار العادلة قد تتأخر كثيراً، لكنها نادراً ما تختفي.
لهذا لا يبدو السؤال اليوم متى تعترف هذه الدولة أو تلك بفلسطين، بل إلى أي مدى تستطيع القوى الدولية مواصلة تأجيل استحقاقات العدالة قبل أن تجد نفسها مضطرة للحاق بحقيقة كان ينبغي الاعتراف بها منذ زمن بعيد.
