تُعدّ الحرب التي استهدفت إيران من أكثر الحروب إثارةً للجدل في التاريخ الحديث، ليس فقط بسبب طابعها العدواني وما انطوت عليه من خرقٍ واضح لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يجرّم استخدام القوة في تسوية النزاعات، وهو أمر بات مألوفًا في كثير من حروب ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل أيضًا لأنها كشفت عن نمط أكثر تعقيدًا من التورط السياسي والعسكري، يتمثل في كيفية دفع قوة عظمى كـالولايات المتحدة إلى الانخراط في مواجهة لا تبدو متسقة بالضرورة مع حساباتها الاستراتيجية المباشرة.
حروب ما بعد الحرب العالمية الثانية وإشكالية القانون الدولي
فمن حيث المبدأ، لا يخرج هذا النوع من الحروب عن سياق أوسع من النزاعات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث جرى في حالات متعددة تجاوز نصوص القانون الدولي، رغم وضوح ميثاق الأمم المتحدة في حظر استخدام القوة. غير أن ما يجعل الحالة أكثر تعقيدًا هنا ليس مجرد خرق القواعد، بل طبيعة الفاعلين وطريقة إدارة القرار داخل منظومات القوة الكبرى.
هل يمكن “استدراج” قوة عظمى إلى حرب؟
اللافت في هذه الحالة ليس مجرد وقوع حرب جديدة، ولا حتى ما يُقال عن أدوار خارجية في تأجيجها، إذ سبق في التاريخ الحديث أن شهدنا تواطؤات وتحالفات سرّية أفضت إلى حروب كأزمة السويس عام 1956، بل المثير هنا هو فكرة “الاستدراج” نفسها: كيف يمكن لفاعل إقليمي أن يدفع قوة بحجم الولايات المتحدة إلى مسار عسكري واسع، قد لا يخدم مصالحها، بل يهدد صورتها ويقحمها في احتمالات تصعيد إقليمي وربما دولي واسع النطاق.
دور إسرائيل وفرضية التأثير على القرار الأميركي
في هذا السياق، أشارت تقارير إعلامية إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعب دورًا محوريًا في الدفع نحو الحرب، من خلال تقديم تصور عسكري–سياسي للإدارة الأميركية آنذاك، تضمن معطيات وقراءات قيل إنها لم تكن دقيقة بالكامل، أو جرى توظيفها ضمن سردية تدفع باتجاه المواجهة. ومع ذلك، بقيت هذه الفرضية في إطار التحليل ولم تُحسم كحقيقة نهائية.
تقرير نيويورك تايمز واجتماعات البيت الأبيض
يستند جزء من هذا الجدل إلى تقرير مطوّل نُسب إلى صحيفة “نيويورك تايمز” في 7 أبريل/نيسان، اعتمد على مادة كتابية للصحفيين جوناثان سوان وماغي هابرمان حول اجتماعات داخل البيت الأبيض بين 11 و26 فبراير/شباط 2026، خُصصت لبحث مقترح إسرائيلي لعملية عسكرية مشتركة ضد إيران.
سيناريو العملية العسكرية المشتركة
بحسب ما أورده التقرير، بدأت الاجتماعات بعرض قدمه بنيامين نتنياهو داخل غرفة عمليات في البيت الأبيض، بحضور الرئيس الأميركي وكبار مسؤولي الأمن والاستخبارات، حيث طُرح تصور لعملية عسكرية مشتركة تستهدف البنية الصاروخية الإيرانية وصولًا إلى هدف أبعد يتمثل في تغيير النظام.
كما تضمن العرض تصورات لما بعد العملية، بما في ذلك أسماء شخصيات سياسية مرشحة لمرحلة ما بعد النظام، ما عكس قناعة لدى بعض الأطراف بإمكانية إعادة تشكيل المشهد السياسي الإيراني خلال فترة قصيرة نسبيًا.
تقييمات داخل الإدارة الأميركية
لاحقًا، عُقدت اجتماعات تقييم داخلية شاركت فيها مؤسسات الدفاع والاستخبارات الأميركية لمراجعة المقترح. ورغم وجود تحفظات واضحة من بعض المسؤولين بشأن كلفة “تغيير النظام” واحتمالات التصعيد، فإن هذه الاعتراضات لم تتحول إلى موقف علني داخل دوائر القرار.
تحفظات عسكرية وسياسية على حرب إيران
أبدى عدد من القيادات العسكرية مخاوف تتعلق باستنزاف القدرات الأميركية وإمكانية تعقيد الوضع في مضيق هرمز، إلى جانب تداعيات محتملة على الرأي العام الأميركي. كما وصف بعض المسؤولين فكرة تغيير النظام بأنها غير واقعية أو مبالغ فيها.
في المقابل، برز موقف نائب الرئيس الذي عارض الانخراط في حرب واسعة، داعيًا إلى حصر العمليات ضمن نطاق محدود، لكنه لم ينجح في تغيير المسار العام للقرار.
عملية “الغضب الملحمي” وتطور القرار
بحسب الرواية نفسها، انتهت الاجتماعات إلى اعتماد خطة عسكرية مشتركة أُطلق عليها اسم “عملية الغضب الملحمي”، وبدأ تنفيذها لاحقًا في نهاية فبراير/شباط 2026، بعد سلسلة من التقييمات والمداولات داخل البيت الأبيض.
نتنياهو وترامب: تقاطع السياسة والمصلحة
تشير القراءة التحليلية إلى أن نتنياهو عمل على مشروع الحرب ضد إيران لسنوات طويلة، وحاول تمريره لدى إدارات أميركية متعاقبة قبل أن ينجح في ذلك خلال عهد الرئيس دونالد ترامب، مستفيدًا من علاقة شخصية وثيقة بين الطرفين، ومن تقاطع في الحسابات السياسية والاستراتيجية.
العامل الشخصي في صناعة القرار السياسي
كما يبرز في التحليل أن العامل الشخصي بين القادة، إلى جانب الثقة في القوة العسكرية الأميركية، لعب دورًا في تسهيل قبول خيار الحرب، خصوصًا في ظل قناعة لدى الإدارة الأميركية بإمكانية تحقيق نتائج سريعة وحاسمة.
نتائج الحرب وإعادة طرح أسئلة القوة العالمية
غير أن النتائج اللاحقة، بحسب ما يُستفاد من التقرير، لم تكن بالقدر المتوقع من الحسم، ما فتح بابًا لمراجعات وانتقادات غير معلنة داخل دوائر القرار، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول كلفة الحروب الاستباقية وحدود النفوذ الخارجي في توجيه سياسات القوى الكبرى.
هل تُدار القوى العظمى من الخارج؟
وبين تعدد الروايات وتضارب القراءات، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة الدول الكبرى على حماية قرارها الاستراتيجي من التأثيرات الخارجية، حتى عندما تأتي من أقرب الحلفاء، وحول الحدود الفاصلة بين الشراكة الاستراتيجية والاستدراج السياسي في صناعة الحرب.
