تقرير خاص| منصة تركيا الاخبارية
لم تعد القوة العسكرية في عالم اليوم تُقاس فقط بامتلاك أحدث الطائرات أو أكثر الصواريخ تطوراً، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على الاستمرار في الإنتاج خلال الحروب والأزمات الممتدة. وقد كشفت الصراعات الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الروسية الأوكرانية، أن الجيوش الحديثة قد تواجه نقصاً حاداً في الذخائر والمعدات إذا لم تكن تمتلك قاعدة صناعية قادرة على تعويض الاستهلاك السريع في ساحات القتال.
هذا التحول دفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية، والتركيز على زيادة الطاقة الإنتاجية وتأمين سلاسل الإمداد المحلية وتقليص الاعتماد على الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، تبدو تركيا من أكثر الدول التي سارعت إلى مواكبة هذا التوجه العالمي.
وفي خطوة تعكس هذا التحول، افتتحت شركة "روكتسان" التركية في السابع من أبريل/نيسان 2026 ثلاثة مرافق استراتيجية جديدة دفعة واحدة. وشملت المشاريع مجمعاً لإنتاج الوقود الصاروخي الصلب في ولاية قرقلار إيلي، ومصنعاً للرؤوس الحربية في أنقرة يُعد من الأكبر على مستوى أوروبا، إلى جانب مركز متطور للبحث والتطوير يضم نحو ألف مهندس وخبير.
لكن أهمية هذه الاستثمارات لا تكمن في حجم المنشآت أو كلفتها المالية فقط، بل في الهدف الذي تسعى إلى تحقيقه. فقد أعلنت الشركة أن المنشآت الجديدة سترفع القدرة الإنتاجية للوقود الصاروخي الصلب إلى خمسة أضعاف، وهو ما يشير إلى انتقال التركيز من تطوير النماذج العسكرية إلى توسيع القدرة على إنتاجها بكميات كبيرة.
ويعكس هذا التوجه تغيراً لافتاً في فلسفة الصناعات الدفاعية التركية. فبعد سنوات ركزت خلالها أنقرة على تطوير منتجات محلية متقدمة مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الذكية والمنصات البحرية، باتت الأولوية اليوم تتجه نحو ضمان استدامة الإنتاج في حالات الطوارئ والنزاعات طويلة الأمد.
وتدرك تركيا، كما تدرك قوى عسكرية كبرى، أن امتلاك التكنولوجيا وحده لا يكفي لحسم الصراعات. فالحروب الحديثة تستهلك كميات هائلة من الذخائر والصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يجعل القدرة على التصنيع السريع عاملاً حاسماً في الحفاظ على الجاهزية العسكرية.
كما أن التوترات الدولية المتزايدة والاضطرابات التي قد تصيب سلاسل التوريد العالمية دفعت أنقرة إلى توسيع الاعتماد على الإنتاج المحلي في المواد الحيوية والمكونات الاستراتيجية، بهدف تقليل المخاطر المرتبطة بالاستيراد الخارجي.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى مشاريع "روكتسان" الجديدة باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية قادرة على تلبية الاحتياجات العسكرية التركية وتوسيع الحضور في أسواق التصدير في الوقت نفسه.
وبذلك، يبدو أن التحول الأهم في الصناعات الدفاعية التركية لا يتمثل في إنتاج سلاح جديد فحسب، بل في بناء منظومة إنتاج واسعة قادرة على العمل بوتيرة مرتفعة وكلفة أقل، بما ينسجم مع متطلبات الحروب الحديثة التي باتت تعتمد على الاستدامة الصناعية بقدر اعتمادها على التفوق التكنولوجي.
