كتب وسيم فؤاد الأدهمي |
تشير التطورات الإقليمية والدولية الراهنة إلى أن العلاقات الأمريكية الإيرانية تقف أمام لحظة مختلفة قد تتيح للطرفين الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة المصالح. ورغم أن الخلافات السياسية والأمنية والعقائدية بين واشنطن وطهران لا تزال عميقة، فإن المؤشرات المتزايدة توحي بأن كليهما بات أكثر إدراكاً لحدود المواجهة المفتوحة وكلفتها الباهظة.
فالولايات المتحدة، المنشغلة بتحديات المنافسة مع الصين والتحولات الدولية الكبرى، لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره الساحة الأولى في أولوياتها الاستراتيجية. كما أن المزاج الداخلي الأمريكي أصبح أقل تقبلاً للتورط في نزاعات عسكرية طويلة بعد تجارب العقدين الماضيين. وفي المقابل، تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متواصلة تجعل من تخفيف العقوبات والانفتاح الاقتصادي هدفاً ملحاً لا يمكن تجاهله.
هذا التلاقي في المصالح لا يعني نهاية الخلافات، لكنه يفتح الباب أمام تفاهمات عملية تقوم على مبدأ تقليل المخاطر وتجنب الانفجارات العسكرية. فالولايات المتحدة تسعى إلى ضمان بقاء البرنامج النووي الإيراني ضمن الأطر السلمية، وإلى حماية استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية. أما إيران فتبحث عن اعتراف أكبر بدورها الإقليمي وفرص أوسع للاندماج في الاقتصاد العالمي.
الأهمية الحقيقية لأي تفاهم محتمل لا تكمن في العلاقات الثنائية وحدها، بل في انعكاساته على أمن الخليج. فقد أثبتت التجارب أن الاعتماد على موازين القوة العسكرية وحدها لم ينجح في إنهاء التوترات المزمنة، بل أدى في كثير من الأحيان إلى إنتاج أزمات جديدة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم الردع المتبادل إلى مفهوم الأمن التعاوني الذي يتيح لجميع الأطراف الإقليمية المشاركة في صياغة ترتيبات الاستقرار.
إن بناء منظومة أمنية أكثر توازناً يتطلب حواراً يشمل دول الخليج العربية وإيران، ويعالج ملفات الأمن البحري وعدم التدخل وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. كما أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بتخفيف التوترات في ساحات أخرى مثل اليمن والعراق وسوريا ولبنان، حيث تتداخل الحسابات الإقليمية والدولية بصورة مباشرة.
في النهاية، تبدو فرص التفاهم اليوم أكثر واقعية من مراحل سابقة، ليس لأن الخلافات تراجعت، بل لأن كلفة استمرارها أصبحت أعلى من كلفة إدارتها. وإذا توافرت الإرادة السياسية، فقد يشكل هذا التفاهم بداية مسار جديد يرسخ الاستقرار ويمنح المنطقة فرصة للانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة والتعايش.
