كتب: المحرر الثقافي
في زمن تتراجع فيه المؤسسات الثقافية تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يصبح استمرار أي مشروع ثقافي إنجازاً بحد ذاته. أما أن يستمر هذا المشروع في التوسع والإنتاج والتدريب والتنظيم، فذلك يستحق التوقف عنده بوصفه ظاهرة ثقافية لا مجرد نشاط فني. من هنا تبرز تجربة المخرج والممثل قاسم اسطنبولي كنموذج استثنائي في المشهد اللبناني، حيث تحوّل المسرح من مساحة للعروض إلى مشروع متكامل يقوم على فكرة أن الثقافة فعل مقاومة وأداة لصناعة الأمل.
يقود اسطنبولي تجربة فريدة تتمثل في إدارة ثلاثة مسارح وطنية في صور وطرابلس وبيروت، إلى جانب عمله مخرجاً وممثلاً ومنتجاً. وهي مهام تتوزع عادة على إدارات ومؤسسات كاملة، إلا أن تجربته، بدعم كوادر المسرح الوطني اللبناني وجمعية تيرو للفنون، أثبتت أن الإيمان بالفكرة يمكن أن يعوض كثيراً من نقص الإمكانات.
ولعل أبرز ما يميز هذه التجربة أنها لم تكتفِ بإحياء الصالات التاريخية وإعادة فتحها أمام الجمهور، بل أعادت تعريف وظيفة المسرح نفسه. فالورش التدريبية في التمثيل والإخراج والسينوغرافيا والسينما تحولت إلى منصات لاكتشاف المواهب وصناعة عروض جديدة، في دورة ثقافية متكاملة تجعل الجمهور شريكاً في صناعة الفن لا مجرد متلقٍ له.
وتزداد أهمية هذه التجربة إذا ما وضعت في سياق السنوات الأخيرة التي شهد فيها لبنان انهيارات متلاحقة دفعت العديد من المؤسسات الثقافية إلى تقليص نشاطها أو إغلاق أبوابها. في المقابل، اختار اسطنبولي التوسع وإطلاق المزيد من المبادرات والمهرجانات، انطلاقاً من قناعة بأن الثقافة ليست ترفاً، بل حاجة إنسانية تزداد أهمية في أوقات الأزمات.
كما لم يغب البعد الإنساني عن المشروع، إذ فُتحت المسارح أمام الأطفال والشباب والنازحين للمشاركة في الورش والأنشطة الفنية، بما يعيد للمسرح إحدى وظائفه الأساسية: منح الناس مساحة للتعبير واستعادة أصواتهم.
أما المهرجانات الدولية التي ينظمها المسرح الوطني اللبناني، فقد تحولت إلى منصات للحوار الثقافي بين لبنان والعالم، مؤكدة أن البلاد ما تزال قادرة على إنتاج الفعل الثقافي رغم الصعوبات.
إن تجربة قاسم اسطنبولي لا تقوم على البطولة الفردية بقدر
ما تقوم على بناء بيئة ثقافية مستدامة. فهو لا يدير ثلاثة مسارح فحسب، بل يحاول وصل
ثلاث مدن بخيط ثقافي واحد، وإثبات أن المسرح قادر على ترميم ما تعجز عنه السياسة. لذلك
يبدو وصفه بـ"رجل بثلاثة رؤوس" أقرب إلى الواقع منه إلى المجاز؛ رأس للإدارة،
ورأس للإبداع، ورأس للهم الإنساني... وما بينها قلب يتسع لوطن كامل.

