حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه زيارة تركيا قريباً، مرّ الخبر سريعاً في عناوين وكالات الأنباء، لكنه حمل في طياته دلالات سياسية تتجاوز بكثير مجرد مشاركة في قمة لحلف شمال الأطلسي أو محطة بروتوكولية ضمن جدول زيارات دولي مزدحم.
فالزيارة تأتي في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. الشرق الأوسط يشهد تحولات متسارعة بعد التفاهم الأمريكي الإيراني، وواشنطن تعيد ترتيب أولوياتها في المنطقة، فيما تتحرك الدبلوماسية الأمريكية على أكثر من خط بالتزامن مع جولة مرتقبة لوزير الخارجية ماركو روبيو في عدد من الدول الخليجية.
في مثل هذا التوقيت، يصعب النظر إلى اختيار تركيا باعتباره تفصيلاً عابراً.
خلال السنوات الماضية، مرت العلاقات التركية الأمريكية بمراحل معقدة شابتها خلافات حول ملفات عديدة، من منظومة "إس-400" الروسية إلى برنامج المقاتلة "إف-35"، مروراً بالملف السوري وقضايا إقليمية أخرى. لكن رغم تلك التباينات، أثبتت الأحداث أن تركيا بقيت لاعباً يصعب تجاوزه في معظم الأزمات الدولية والإقليمية.
وتدرك واشنطن جيداً أن أنقرة لم تعد مجرد عضو تقليدي في حلف الناتو، بل تحولت إلى قوة إقليمية تمتلك شبكة علاقات واسعة تمتد من الشرق الأوسط إلى القوقاز وآسيا الوسطى وإفريقيا. كما أنها من الدول القليلة التي استطاعت الحفاظ على قنوات تواصل مع أطراف متناقضة في أكثر من ملف دولي.
وتشير قراءات غربية عديدة إلى أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى تركيا باعتبارها شريكاً ضرورياً في مرحلة إعادة رسم التوازنات الإقليمية. فالموقع الجغرافي التركي، وقدراته العسكرية، ودوره في أمن الطاقة وخطوط النقل والتجارة، كلها عوامل تجعل من أنقرة رقماً أساسياً في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.
كما أن توقيت الزيارة يلفت الانتباه. فهي تأتي بعد الإعلان عن التفاهم الأمريكي الإيراني، وفي وقت تحاول فيه واشنطن احتواء تداعيات سنوات من الصراعات المفتوحة في المنطقة. وفي مثل هذه الظروف، تبدو تركيا واحدة من الدول القادرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وهو ما يمنحها أهمية إضافية في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة.
ولا يمكن تجاهل البعد المتعلق بحلف الناتو. فاستضافة أنقرة للقمة المقبلة للحلف تمنحها فرصة لتأكيد موقعها داخل المنظومة الغربية، في وقت تشهد فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وبعض شركائها الأوروبيين نقاشات متزايدة حول مستقبل الأمن الجماعي وتوزيع الأعباء الدفاعية.
لكن في المقابل، من المبكر الحديث عن تحول جذري أو تحالف جديد بين واشنطن وأنقرة. فالخلافات القديمة لم تختفِ بالكامل، كما أن المصالح المشتركة لا تعني بالضرورة تطابق الرؤى في جميع الملفات.
لهذا تبدو أهمية الزيارة في الرسائل التي تحملها أكثر من الاتفاقات التي قد تنتج عنها. فهي تعكس اعترافاً أمريكياً متزايداً بالدور التركي، كما تعكس إدراكاً بأن تجاهل أنقرة لم يعد خياراً واقعياً في منطقة تتغير معادلاتها بسرعة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تمثل زيارة ترامب إلى تركيا مجرد محطة بروتوكولية مرتبطة بقمة الناتو، أم أنها تعكس تحولاً أعمق في نظرة واشنطن إلى الدور التركي في الشرق الأوسط؟ وهل تسعى الإدارة الأمريكية إلى الاستفادة من موقع أنقرة وعلاقاتها المتشعبة لتثبيت التفاهمات الجديدة في المنطقة؟ وهل ستكون تركيا بوابة المرحلة التالية من الترتيبات الإقليمية بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني؟ أم أن الأمر لا يتجاوز تنسيقاً سياسياً مرحلياً فرضته ظروف اللحظة؟
لا توجد حتى الآن إجابات قاطعة على هذه الأسئلة، لكن المؤكد أن تزامن زيارة ترامب المرتقبة مع الحراك الدبلوماسي الأمريكي المكثف في المنطقة يمنحها أهمية تتجاوز بعدها البروتوكولي. أما الإجابات النهائية، فستبقى رهناً بما ستكشفه اللقاءات والقرارات والتطورات خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.
