أخبار الإنترنت
recent

تحقيق خاص: لماذا يعيد الغرب اكتشاف الصناعات الدفاعية التركية؟

الصناعات الدفاعية التركية تجذب اهتمام دول الناتو وكندا خلال معرض دفاعي دولي

تحقيق خاص | منصة تركيا الاخبارية

لم يعد الحديث عن الصناعات الدفاعية التركية يقتصر على الطائرات المسيّرة أو مشاريع الاكتفاء الذاتي، بل بات يدور حول موقع تركيا الجديد داخل منظومة الأمن الغربية. فالدول التي فرضت قيوداً وعقوبات على أنقرة قبل سنوات قليلة، عادت اليوم لتبحث عن شراكات وصفقات وتعاون صناعي طويل الأمد مع الشركات الدفاعية التركية.

وخلال معرض SAHA Expo 2026 في إسطنبول، عبّر مسؤولون غربيون عن هذا التحول بصورة واضحة، عندما وصفوا تركيا بأنها "شريك موثوق" يمتلك نموذجاً صناعياً يمكن الاستفادة منه، في مؤشر يعكس تغيراً ملحوظاً في نظرة العواصم الغربية إلى قطاع الدفاع التركي.

من مرحلة العقوبات إلى مرحلة الانفتاح

بين عامي 2019 و2024، واجهت تركيا سلسلة من القيود الغربية المرتبطة بقطاع الصناعات الدفاعية، شملت حظر تصدير بعض المكونات العسكرية وفرض عقوبات بسبب شراء منظومة S-400 الروسية.

غير أن هذه المرحلة دفعت أنقرة إلى تسريع برامج التصنيع المحلي والاستثمار في التكنولوجيا الوطنية، ما ساهم في بناء قاعدة صناعية أكثر استقلالية وقدرة على المنافسة.

واليوم، تبدو الصورة مختلفة تماماً، إذ باتت شركات الدفاع التركية شريكاً مطلوباً في العديد من المشاريع الدولية، فيما توسعت صادراتها نحو أسواق أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.

لماذا يتجه الغرب نحو تركيا الآن؟

يرتبط هذا التحول بثلاثة عوامل رئيسية.

العامل الأول يتمثل في أزمة الذخائر والإنتاج العسكري التي كشفتها الحرب في أوكرانيا، حيث اكتشفت دول الناتو أن قدراتها الإنتاجية التقليدية غير كافية لتلبية الاحتياجات العسكرية المتزايدة.

أما العامل الثاني فيتعلق بتنامي المخاوف الأوروبية والكندية من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة في سلاسل التوريد العسكرية، خاصة بعد التوترات السياسية والتجارية التي شهدتها السنوات الأخيرة.

في حين يرتبط العامل الثالث بصعود مفهوم "القوى المتوسطة"، حيث تسعى دول مثل تركيا وكندا وكوريا الجنوبية وأستراليا إلى بناء شبكات تعاون صناعي أكثر مرونة واستقلالاً.

ما الذي يميز النموذج التركي؟

تستند جاذبية الصناعات الدفاعية التركية إلى ثلاثة عناصر أساسية:

  • سرعة التطوير والإنتاج.

  • الكلفة الأقل مقارنة بالمنافسين الغربيين.

  • المرونة في نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك.

وقد ساعد هذا النموذج تركيا على تحقيق اختراقات مهمة داخل أسواق حلف الناتو، بعدما كانت تلك الأسواق حكراً على الشركات الأمريكية والأوروبية الكبرى.

خريطة الصفقات الكبرى

شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من الصفقات التي عكست اتساع الحضور التركي عالمياً.

في بولندا، تم استكمال تسليم طائرات بيرقدار TB2 ضمن صفقة شملت الدعم الفني ونقل الخبرات.

وفي رومانيا، تعاقدت بوخارست على شراء طائرات مسيّرة تركية ضمن خططها الدفاعية المرتبطة بحلف الناتو.

أما إسبانيا، فقد وقعت واحدة من أكبر الصفقات الأوروبية مع تركيا عبر شراء طائرات التدريب النفاثة "هورجيت"، في خطوة وُصفت بأنها اختراق تاريخي للصناعة الجوية التركية داخل أوروبا.

وفي البرتغال، نجحت الشركات التركية في دخول قطاع بناء السفن العسكرية الأوروبية، بينما عززت شركة بايكار حضورها في إيطاليا من خلال الاستحواذ على شركة بياجيو إيروسبيس وإطلاق شراكات صناعية جديدة.

وجاءت الصفقة الأضخم من إندونيسيا، عبر عقد تصدير مقاتلات "قان" من الجيل الخامس، في أكبر اتفاقية تصدير دفاعي بتاريخ الجمهورية التركية.

هل هو تحالف دائم أم تقارب مؤقت؟

رغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال العلاقات الدفاعية بين تركيا والغرب محكومة بعوامل سياسية معقدة.

فالعلاقة بين الجانبين شهدت في السابق فترات من التوتر والخلاف، ما يجعل مستقبل هذا التقارب مرتبطاً بالتوازنات السياسية داخل حلف الناتو وبالتطورات الجيوسياسية العالمية.

ومع ذلك، تبدو تركيا اليوم في موقع مختلف تماماً عن موقعها قبل عقد واحد فقط، إذ تحولت من مستورد للتكنولوجيا العسكرية إلى لاعب قادر على التأثير في معادلات سوق السلاح الدولية.

الخلاصة

تُظهر التطورات الأخيرة أن الصناعات الدفاعية التركية لم تعد مجرد مشروع وطني لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل أصبحت أحد أدوات النفوذ الاستراتيجي لأنقرة في العالم. وبينما تبحث الدول الغربية عن شركاء أكثر مرونة وقدرة على الإنتاج السريع، تجد في التجربة التركية نموذجاً يجمع بين الكفاءة الصناعية والاستقلالية التقنية، وهو ما قد يمنح أنقرة دوراً متزايداً في رسم ملامح منظومة الأمن الدولية خلال السنوات المقبلة.



المحرر

المحرر

يتم التشغيل بواسطة Blogger.